سقط رذاذ خفيف، وأنا أطأ عتبة البيت، ثم ازداد سقوط المطر، هربت راكضًا إلى الغرفة، تذكرت عينيه المفتوحتين، وبأنه سيرى بعينين منطفئتين، عدت إلى ساحة البيت، وقفت تحت المطر لأغتسل، كي أزيد اغتسال الشمس بالمطر، وطرد كل آثامي. والأصوات تتكاثف، داخل الغرفة وضربات زهر النرد الساقط على اللوح تصلني خافتة تمتزج بقطرات المطر الساقط.
قرية لقيط/ 1967
جدار المدينة
هل أدخل المدينة...؟!
هذا السؤال في رأسي، وأنا أشارف حافاتها وبساتينها ومداخلها الأولى، ثم كررت السؤال: فيما إذا دخلتُ، فمن أين أبدأ خطوتي..؟! وكثرت الأسئلة، ما إن ينتهي أحدها ويضمحل، كالفقاعة، حتى ينبجس آخر، وآخر ، تاركًا إثر ذلك صورًا مضطربة للمدينة من الداخل، فأنا متوجس من دخولها، ولا أدري هل هي حالة من الحنين..؟! أوهي نتيجة الابتعاد عنها كل تلك السنين؟! أو سماعي لأخبارها التي رواها الرواة..؟! ولربما أخاف من نظرات الأصدقاء والمعارف، حيث تحتشد أسئلتهم باتجاهي معاتبة.. ماذا؟! وكيف..؟! ولِمَ هذا العقوق؟! وكثير من هذا القول، والحديث الذي يعرّضني إلى الحرج، ومن ثم الحزن والهرب خارج المدينة، ملبيًا إلحاح ضعفي وخوفي وترددي، سادًّا باب محبتي، وحين أقول لهم: والله شاهد على ذلك: إني لم أتركها إلاّ لأسباب ذاتية، وإني محب لكل نقطة فيها. فلربما لا يصدقون ذلك، ويرمونني بنظرات أعرف معناها ومغزاها، حيث تصب حممًا تتوقد في داخلي، وتحيط جسدي كالسوار المتقد، تكويه، فتتشظى أجزاؤه إلى قطع مرمية في الزوايا والفضاء مستذكرًا قول صديقي/ ما الذي رمانا هكذا في هذه المدينة..؟! أحدق في وجهه الذي يبوح بالتعب والأسئلة، فأجيب: لا أدري والله. ويسأل: هل هي صدفة أن نلتقي في مدينة المفترق هذه؟! فأدركه: ربما هي صدفة، ولكن هذا لا يهم، فنحن غربيان
حيث يردد معي، بابتسامة مؤلمة، وكل غريب للغريب قريب...!!
وهذا ما قرأته في بعض قصائده، مؤكدًا لنفسي؛ أن هذا الرجل له مشاعر تشبه ما أنا عليه من حال:، مقررًا الدخول إلى المدينة سيرًا على الأقدام. فحين ذكرت لصاحبي ذلك، أخذ يبتسم، وينظر نحوي قائلًا: هل أصدق ذلك، ماذا تقصد؟!../ هذا التشابه/ بأي شيء يارجل أنت شوقتني لأشياء غامضة/ الدخول/ لمن؟!/. للمدن./ لكل المدن.؟! كلا بل للمدينة الأم، كيف تتفق رغبتك مع رغبتي في الدخول إليها..؟!/ أنت أيضًا تدخلها سيرًا على الأقدام..؟/ وأبدأ من أول نقطة منها.