[ إني أخاف أيضًا من مثل هذا، ما الذي حدث للرجل إذ تكلم بعد صمت طويل لشد ما رأى في حلمه من خوف شديد، فهو يحلم بالبحر، البحر الذي لم يره هذا البدوي لم ير إلاّ الصحراء والجزر الرملية الملتمعة، كالزجاج المهشم.. ] ونمت متأخرًا جدًا، وكانت ليلة قلقة وصعبة جدًا وحين جاءني عصرًا كان مرعوبًا ويائسًا، وقتها كانت السماء غائمة ملبدة بشكل غريب، كما لو أنها تنبئ بقدوم شتاء مرعب، جاء مسرعًا يلهث بكلمات متقطعة:
-لقد مات!
-ماذا تقول يانمر..؟!
-قلت لقد مات.. مات أبي. تعال أعنّي لا أستطيع رؤيته هكذا.
-أمتأكد أنت؟!
-إنه لا يتنفس إطلاقًا.؟!
وأسرعت عابرًا خط الحديد، وحين لمسته كان باردًا جدًا، ومصفر الشفتين نكست رأسي ، وحين رفعت نظري إليه وجدته دامع العينين، نهضت ثم نهض يتبعني خارج البيت، جلست محملقًا بالامتدادات الواسعة، كنتُ أحلم بالبحر، حيث كانت الأغنام تنبسط أمامي كفراش صوفي، ملازمة الأرض، خاضعة لقوة الظلام، والغيوم التي لم تعتدها في النهار، قال:
-إنه لم يشرب الماء منذ الليلة التي حلم بها...!
-ليس ثمة فائدة يانمر لا تعذب نفسك بهذا الشكل.
-لا.. كان أمله أن يرى الماء فقد مرت به سنين جافة، انظر إليها ملبدة، وما الفائدة لقد كان بانتظارها دومًا.
-علينا أن نجد الواسطة لنقله.
-كلا لا حاجة لنا بذلك فنحن لا نفارق الصحراء حتى في مماتنا.
وادلهمت أكثر، حتى لكأن غطاءً أسودًا أخذ يطبق على الأرض، في حين بدت جوانب الخيام تتحرك، والأغنام تلتصق بالأرض أكثر، نهضت قلت له:
-لنغطيه بالإزار وسأذهب لأرتدي ملابسي.
قال: - ساعدني على وضعه بالقرب من مدخل الخيمة.
نزلت عند رغبته، أمسك هو بطرفي الفراش وأمسكت أنا بالآخرين بدا جسده مقوسًا، هابطًا من الوسط، وضعناه قرب المدخل، كان مغطى مسجى نظر لي بتوسل، كان مضطربًا وحزينًا جدًا، قال:
-أرجوك افتح عينيه، وليرى المطر فقد كانت أمنيته أن يبتل به. ليره الآن فقط، دعنا نحقق له أمنيته في رؤية المطر الساقط إنه ينذر بشتاء غني.
رفعت الغطاء عن وجهه. وفتحت عينيه، ثم أسندت رأسه إلى الوسادة بحيث واجه السماء تمامًا، وحين رفعت رأسي إلى نمر، وجدته خارج الخيمة ينشج كطفل، مسح دموعه، بطرف يشماغه، ثم غادرته..