فلا هو لا يدري لماذا..؟ ولا من رآه عرف السبب، الكل مشغول بما حوله، بل ربما المدينة الرمادية ذات الدخان المتصاعد، والتقاطع في الخطوات، في الخروج والدخول، هي السبب في عدم اكتراث الرجل بكل مايجري، ولا كيف يجري تمامًا، بل اندفع إلى هذه النقطة التي وجد نفسه محاصرًا داخلها، منطلقًا منها، وهو على أية حال يجوب المدينة التي تستقبله بأزقتها، وهو رجل طاعن في السن عار، إلا مما يستر عورته، ويتوسط مكان الحصان، لعربة كبيرة نوعًا ما، يضع ساعديه على العمودين الخشبيين اللذين يمتدان أمام العربة بشكل متوازٍ متوسطًا إياهما، وممسكًا بهما بقوة، دافعًا العمودين إلى الأسفل، حيث ترتفع العربة من الخلف، وتصبح متوازية مع جسده، لحظتها تنط أعصابه وعظامه وتوالي خرزات ظهره المنكشف للسماء والشمس. السماء النارية، والشمس المحرقة، والمدينة كأنها خرجت توًا من بركان اغتالها لوقت طويل، وسالت محتوياته المتوقدة الفائرة لأيام، مالئًا الطرقات والأزقة والبيوت، مخلفًا حرائق ودخان، وأقدام تتقاطع هاربة من هنا إلى هناك، هدوء مخيف مبطن بالخوف، وأصوات مكبوتة، ينتابها الهلع. والرجل يجري، ويجري داخل الأزقة، والحواري والشوارع المستقيمة والملتوية في المدينة دون هوادة، يجري دون أن ينظر. يركض دون أن يلمح أحدًا أو يدقق بشيء ما، ربما قرر ذلك، وربما امتلأ بإحساس غامض، لكن كل أمره أن يجري هكذا، وتنط عضلاته المتوترة: وتبرز نتوءات عظامه، ساحبًا العربة بنشاط منذ الصباح، سرعان مايقل رويدًا رويدًا، كلما انسحبت الشمس عن المدينة، وشحبت، حتى ليبدو أنه إنسان شمسي، يبترد لغروبها، وتثقل عليه العربة، لحظتها، وهو يدرك هذا الثقل، وكل من حاول اللحاق به لا يستطيع إدراكه بسهولة، لكنه يبقى على أمل العودة إلى نفس الزقاق هذا.. أو الشارع ذاك، ومن ثم العثور عليه هكذا، فالانتظار أفضل لبعضهم من اللحاق به مسرعًا لا يدري أي شيء، كان الثقل يزداد عليه، وأحيانًا يخف، ويجهد نفسه على أن يكون متوازنًا، حيث تزداد حركته وجريه، وحين تخف العربة من حملها، لا يتوانى في ذلك، ببذل الجهود المضاعفة لكي لا يظهر عجزه عن الجري في حالة امتلائها بالتوابيت.