عند مروره بالأزقة والشوارع كان الجميع إما أن يأخذوا منه أحد تلك التوابيت كي يضعوا جثة عزيز عليهم داخلها، أو أنهم يرمون بآخر كان قد فرغ بعد أن توارى الجسد في التراب، والرجل المسن يجري، ولا يدري بهذا أو ذاك، ناتئ العظام فقط، محافظًا على توازن جريه، لا يدرك من يراه أو يلمحه، والأيام تمضي عليه، وهو لا يفقه أيضًا، ولا يستطيع أحد إيقافه، ولا هو يتمكن من إيقاف نفسه عن الجري منذ انبلاج الشمس إلى لحظة اختفائها، حيث ينط من مكمنه، ويسعى هكذا، وحين تميل الشمس إلى المغيب بهدوء، يسكن ويخلد إلى الراحة، يومه هكذا يجري، شديد البصمات على نفسه وجسده.
مالت الشمس إلى المغيب، وهو قد ابتدأ بالعد التنازلي، وحين خفت تمامًا بدأ الظلام يزحف. توقف تمامًا عن الحركة دون أن يشعر عند أول نقطة وصلها. ترك العمودين الطويلين يرقدان على الأرض بهدوء، كما لو أنه يفك وثاق ولجام الحصان. خرج كعادته، من بين توازن العمودين، قاصدًا أول جدار، وكالعادة اتكأ عليه. شاعرًا بالدبيب يسري في جسده، والتعب ينهض فجأة ليحاصره بالأنين، لعن في نفسه اللحظة التي توقف فيها عن الجري، فبان الإعياء عليه.
وبسرعة، دون أن يشعر، كما في كل مرة، حدّق بالعربة المائلة، لاحظ ثمة تابوت يرقد على سطحها، نهض من فوره بمعدة فارغة، خاوية، رفع الغطاء ثم صعد إلى سطح العربة يتمدد داخل التابوت، رفع الغطاء بصعوبة، وهو نائم هكذا، يقربه قليلًا قليلًا من الأعلى، بيدين مرتعشتين تنط عظامهما إذ يستقر الغطاء على التابوت. ينعزل الرجل المسن تمامًا عن العالم. يحس أنه في عزلة فائقة لا أصوات تأتيه، يرقد ويستسلم إلى نوم هادئ، أو تنتابه الهواجس، والكوابيس وجيوش الألم تدب في جسده، لكنه على أية حال، ينقاد من طلوع الشمس يرفع الغطاء عنه محتلًا الفسحة التي تتوسط بين العمودين المتوازيين واضعًا ساعديه على العمودين، يخفضهما إلى الأسفل، فترتفع العربة إلى الأعلى بموازاة جسده، ثم يبدأ دورته اليومية، يجري ويركض بين الأزقة الضيقة، والشوارع والطرقات. لا يلوي على شيء يعرفه. عربته تفرّغ، فيخف عنده السحب نحو الأمام فترتخي عضلاته، وتمتلئ بالتوابيت فيشعر بثقل الأجساد الساكنة فيزداد لهاثه وتوتر أعصابه، وتنط عظامه ، هكذا يجري شاعرًا بخفتها مرة وثقلها أخرى... تحت شمس ساطعة ومليئة بالدخان.. ورائحة احتراق الأجساد...!
شباط 1994
نداءات