فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 72

كانت الصالة على أتم الهدوء، لولا صوت التلفاز الخافت، لحظة سماعي نداءً واضحًا، تصورت أول الأمر أن ما أسمعه ضربٌ من الخيال، أو نوعٌ من الترددات، التي تمتد أحيانًا في الرأس تاركة ظلالها. ويصادف انبعاثها هذا في الشارع أو عند دخولي البيت، حيث أترك الظلمة تطلق أشباحها خلفي لتطاردني، إذ أسمع أصواتًا مختلفة وحوارات صافية، ذات إيقاع خاص يطلقها الأصدقاء.. وكثيرًا من الأحيان أسمع من يناديني باسمي.. وما سمعته مساء ذلك اليوم. لهو أكبر من النداء، بل هو نوع من التحذير من السقوط في الهاوية، فتجمدت أعصابي، ثم أخذت بالتوتر وإصدار الذبذبات المضطربة، ذات الرنين القوي، كذلك ازدادت ضربات قلبي. لكني سرعان ما استعدت قدرتي على التركيز، وأنا أواصل ترك المكان واجتياز المسافة إلى البيت ولا يختصر هذا الوهم على الليل دون النهار ولا النهار دون الليل فقط..

إنه نداء غير محدد بزمان معين، كما لاحظت في ذلك اليوم، حيث أصغيت مليًا حتى ملأ أُذني النداء واضحًا.. وائل.. وائل.. فأصغيتُ، إذ تكرر النداء ثم قصدت غرفة المطبخ، معتقدًا أن زوجي تناديني، لم تبال حين شاهدتني.. تأكدتُ أن الأصوات لا تنطلق منها، بل من زوايا خفية، إذ قصدتُ إلى الصالة، مواصلًا مشاهدة مايعرضه التلفاز، لكن سرعان ما زاد من نبرات مفعمة بالتوسل والتوالي.... وائل.. وائل.. اترك كل شيء.. نهضت على الفور استجابة للذهول الذي أحدثه الصوت في نفسي، وكبلني بالقلق، حيث دخلت المطبخ مرة أخرى، مبادرًا بالقول:

-ماهذه اللعبة يا أم ياسر..؟!

التفتت نحوي مستغربة:

-لعبة..؟! هل عرض التلفاز مثل ذلك..؟

-التلفاز..؟ مالنا وماله، أقصد نداءك عليّ إذ كررته للمرة الثانية؟!

-لم أنادك..!

-بل ناديتني أول الأمر بحيث قصدتك، لكني عدت إلى الصالة...

-وبعد؟

-كررتي النداء والتوسل؟!

-لم أنادك صدقني.

قلت متداركًا:

-ربما غير أني تصورت ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت