لكن ما إن أسقطت جسدي على المسطبة، حتى سارع النداء والتردد والتكرار، غير أنه في هذه المرة، كان على درجة من التوسل، رحت أنصت إليه، وأترك مكاني، متسقطًا مصادره، كان الصوت يأتيني من الأعلى يجتاز السلالم بهدوء أصغيتُ جيدًا إلى انثياله، وأنا أسير على أطراف أصابعي مرتقيًا السلم درجةً درجة، مدركًا النداء المتكرر، أحني جسدي متصورًا أني ربما أدرك كل شيء خفية، وحين دخلتُ غرفة المكتبة، تأكدتُ أنه ينبعث منها. أنرت المصباح على عجل، فداهمني الصمت.. صمت قاتل بعد أن ازداد النداء، وألح عليّ كثيرًا، ورحتُ أنصت بدقة وتراخ متناهيين. كان للفراغ صوت الهسيس، كما لو أنه ينم عن دبيب حشرات على قطع صفيح، أطفأت المصباح، ثم عدتُ حيثُ هبطتُ السلّم. هذا ماحدث في مساء أحد الأيام، ثم توالت الأيام، وكثرت النداءات وتعددت حركات التسلل والحذر، وأنا أحاول إدراك المصادر إلى الأعلى، كنت أتسلل، كما لو بدا لي أنه ينبعث من مصادر تثير الاستغراب والريبة والظنون كنت أترك مكاني رغم وجود أبنائي وزوجي، قاصدًا على عجالة إلى الغرفة العلوية سريعًا، ثم بدأ التحرك خلفي ومراقبة كل شيء، خاصة حركاتي التي ازدادت عن الحد المعقول،وقتها قالت زوجتي:
-ماذا حدث..؟!
-نداءات..
-أية نداءات...؟!
-أسمع من يناديني من الغرفة العلوية..
-لا يوجد شيء من هذا.. لا صوت سوى مايبثه التلفاز..
-أيعقل هذا..؟!
ثم حدقت بأبنائي، إذ تحولت صفحة وجهها إلى صفرة غبراء، وانكماش مقرف أعادت النظر نحوي مرددة:
-لاشيء، إطمئن يا أبا ياسر لاشيء من هذا
-كيف..؟ وماهذه الأصوات التي تدركني في كل وقت.
-أوهام. وأنت متعب جدًا.
-أبدًا. لا أشعر بذلك.
-خذ لك قسطًا من الراحة أفضل.
-كيف يحصل أن يكرر النداء نفس الرجاء مني..؟!