فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 72

ومن يومها ابتدأت المفارقات، فلا هم يصدقونني، ولا ينوي أحد ذلك، فهم يستنكرون ما أسمعه من أصوات لكنهم يشاركوني الصعود والإصغاء، حيث كانت الحصيلة، عدم اقتناعهم بذلك: وأكدوا بعد عجزهم عن الصعود معي والتعرض للمفاجآت ثم الهبوط المتوالي، مؤكدين أن هذا محض وهم لا غير.. وعندما ازداد الإلحاح عليّ من الأصوات، اقتادوني إلى عيادة الطبيب. لغرض عرض حالتي عليه. ولم تجد حالة الرفض مني أية فائدة، حتى رضخت وأقنعت نفسي، أنه ربما تكون الأصوات ضربًا من الأوهام من فرط المخيلة، بحيث يستطيع الطبيب إزاحتها من رأسي وزرع مايمكن أن يكون بديلًا عنها، ولكن لا أنا اقتنعت بما ذكر وسط الأسئلة والاستفسارت، ولا أحد منهم استقر على تفسير حالتي تلك، فقط عدد من الحوارات والاستنزاف في الكلام، إذ ازداد صمتي إثر المهدئات والعقاقير، وكثرت النداءات، والذي تغير هو قدرتي على الاستجابة لها، كنت أقصد مصادرها بهدوء أعصاب، وارتخاء جسد، كما لو أني أؤدي حركات بطيئة للتصوير، أرى كل شيء، وأسمع كل الأصوات، وأتخيلها تأتي عبر خيط له تعرجات الخطوط البيانية بسيرها المتواصل، وذبذباتها المتوالية، إذ تمنيت إدراك كل صوت ولو على هذا البطء الذي كبلتني به المهدئات، وأصوات الأصدقاء الذين ودعوني. صوت أمي وأبي، يطلبون العودة والصعود نحوهم، وينعتوني بالعقوق والعجرفة، وبأني انضويت مع العصر وحركة الحياة، وتركت الأحباب. وإزاء ذلك ازداد خوفي وبكائي داخل الغرفة. أبكي مثلما كنت شاعرًا بالألم والوجع، وهم يراقبونني متوسلين أن أترك هذه الحالة، التي أقلقتهم كثيرًا وأتعبتهم، ثم أبعدت عنهم الاستقرار، ولم أستجب إلاّ إلى النشيج والبكاء، والذهول، والانقياد إلى الأعلى حيث الأصوات والنداءات، فقرروا مراجعة عيادة الطبيب، وأنا أحس أن جسدي أخذ يتشرب بالنداءات وصداها، أخذ يزيد التوقد في دمي، ويدفعني إلى ترك المنزل، والخروج إلى البحث عنهم، ولكني انقدت بسهولة معهم إلى الطبيب، إذ نظر نحوي متفحصًا إياي عن بعد، حيث قال:

-ما الذي سمعته عنك يا أستاذ.؟!

-ماذا سمعت..؟!

-سمعتُ مايدل على عدم تعاونك معي لإزالة تلك الأوهام.

-الأوهام..؟!

-نعم الأصوات، ماهي إلاّ أوهام علينا إزالتها من رأسك وهذا يتوقف على تعاونك معنا.

-إنها ليست أوهام، ولا يسمعها إلاّ أنا، وهذا ليس ذنبي.

-هذا ماتتصوره أنت.

-وماذا تريد غير تصوري..؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت