-ليس كل ما تتصوره حقيقة، بل إن كل شيء من فرط مخيلتك، ومن عظم المرض.
-هذا هو الوهم، إنك أيضًا تسقط نفسك في الوهم.
حدّق بي مليًا. كبت انفعاله، ثم دار حديث طويل معه، لحظتها أطرق إلى الأسفل، ثم طلب مني النهوض والجلوس على كرسي محاط بالمجسات والأطواق، لاحظت زوجي ذلك، وهي ترتعش. نسيت كل شيء أولًا، وافترضت أن من واجبه العمل حيث أحاطني بالأطواق، مبتعدًا عني، ولا أدري كم من الوقت مضى وأنا على هذا التكبيل، سوى جسدي وهو يستجيب لارتعاشات متتالية. وخوار أفقدني السيطرة. وحين أفقت أدركتُ أن شيئًا ماقد أفرغ من رأسي. وأني مارست حمل أطنان من الحديد من مكان إلى آخر، ولعابي كالزبد يحيط بظاهر فمي. سحبت زوجتي منديلًا ونظفته، خرجت معها كالسجين، تقودني إلى خارج غرفة الطبيب هكذا، مشيعًا من الجميع في الصالة، حيث كنت أتلقف الهواء بلهفة، كما لو أني كنتُ داخل قبو مليء بالدخان والغبار الخانق. ملأت رئتي بالهواء النقي، وازدادت سيطرتي على جسدي، بعد أن انفضت الأصابع التي كبلتني قبل قليل. مستعيدًا وعيي، مرددًا مع نفسي، الأصوات كانت حقيقة، نعم حقيقة، وماقام به الطبيب، إلاّ استنهاضها فقط، وكم كان بودي أن أعود لعيادة الطبيب، وأداهم الغرفة ثم أصرخ في وجهه مرددًا: إن الأصوات لم تكن أوهامًا، وأنا أسمعها من بعيد أو قريب ولا يبعدني عنها أي علاج أو سلوك، وهي ليست حالة مرضية. مطلقًا. وإذا سألني من أين تنبعث هذه الأصوات والنداءات؟! سأقول له إنها تأتيني كالخرير العذب من الغرفة العلوية حيث تستقر كتبي. وربما يقول: ترى من يطلقها إليك..؟! فأجيب: إنهم الأصدقاء أيها الطبيب. فيقف مستدركًا أمري.. لحظتها أدركه بأعلى صوتي مرددًا، فيزداد ذهوله لحقائقي وصراحتي وبكائي، وقد يتعجل القول ويزداد اضطرابًا... ويسأل كيف؟! هل يعقل هذا؟!.. فأذكر: يعقل أيها الطبيب ولِمَ لا يعقل، فإن لي حكايتي مع هذه الأصوات التي لا تسمعها أنت ولا غيرك مطلقًا، أنتم لا تدركون سرها ومكامن انبعاثها، ربما تنبعث من داخلي محلقة كالطيور لتعيد النداء لي للحاق بها بعيدًا، نحو الفضاءات المفتوحة، إذ نسيت أن أذكر لك ياسيدي. أن ماينبعث من أصوات هو من غرفتي العلوية، ومن بين اتكاءات الكتب التي استقرت على رفوف من الخشب هيأتها يداي هاتان، عملتها من خشب مدمى أيها الطبيب، من قطع أعرف مصادرها وتواريخها، وأحداثها، وأسرار أصحابها واحدًا واحدًا..كنت أقرأها، إنها قطع من