فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 72

خشب توابيت الشهداء؛ أسرّة رقودها. فهل يعقل أن أكون مريضًا..؟! وهل تصدق أن هذه القطع لا تحتفظ بأصواتهم بعد أن رقدت أجسادهم طويلًا داخلها..؟؟

كانون الثاني 1994.

المرآة

لم أستطع اليوم إنجاز أي شيء، فقط درت كاللولب بين المكتبات، أتفحص ماصدر من الكتب، ومانشرته الصحافة، لذا فإن نهاري هذا غير ممتلئ بجديد. هذا ماقررته صباحًا، وماعمدت أن يكون الوجه المقبول لدي، بعيدًا عن الهموم، وتقلبات المزاج التي تعكسها عندي حدة التفكير والانشغال بما يمليه عليّ ذهني الذي يعمل كالجهاز الدقيق، تتوارد داخله الرسائل والومضات، وتزدحم في زواياه الصور، حيث تحاصر بعضها البعض.. وأنا منقاد معها هكذا.. قلت في نفسي: أما يكفي كل هذا ياترى لأنعم بفسحة من الهدوء...؟! وبعد أن أنجزت مهمة تجوالي اليوم تحت وطأة الشمس والاحتماء تحت المسقفات، حيث الظل الوارف، قررت الدخول إلى دائرة البريد.. وكان قراري غير مبرمج . إذ المفروض أن أكون اليوم في المستشفى مع والدتي المريضة، غير أني وبدافع لا أدركه قررت الدخول إلى الدائرة، والاتصال بالمستشفى والسؤال عن صحتها أولًا، ومن ثم الذهاب إليها لقضاء الوقت الباقي من النهار عندها، ومراقبة -كما في كل مرة- تلك الأجهزة والمجسات التي كبلت جسدها، والشاشات التي تومض وتعلن الإشارات والخطوط المتباينة، اقتربت من جهاز الهاتف، وانتظرت أن يفرغ منه أحدهم، ولحظة نزول الرقم، جاءني الصوت واضحًا، سلمت على صاحبه بمقدمة لائقة يتطلبها هذا اليوم، قلت له:أحلني إلى شعبة الإنعاش من فضلك.. فأجابني صوته عذبًا ورقيقًا وسلسلًا مفعمًا بكلمة رددها مرارًا ممنون... ممنون.. مما أثلج صدري وشجعني على تكرار مثل هذه المكالمات، والبدء بمقدمة أكثر لياقة من هذه التي قمت بها. وحين رن جرس الهاتف في الشعبة، تأخر كثيرًا، حسبته سيسبب إزعاجًا للمرضى المحتاجين إلى عناية خاصة. في شعبة الإنعاش، سببها أن جهاز الهاتف موجود داخل الردهة، وسيقض هدوئهم وسكينتهم، بما له من صوت ورنين مؤذٍ، يشبه جرس المدرسة. تصورته كمن يدلق بصوته الثقيل ويعيد النداء غير المتجانس ولشد ما تأسفت لفعلتي هذه، إذ كان من الممكن الذهاب إلى المستشفى دون هذا الاتصال الهاتفي، لكن توالي الرنين شدني إلى أمل حضور أحد ومعالجة مثل هذا الإزعاج. وفعلًا لم يدم الرنين طويلًا، حيث رفع السماعة أحدهم فجاء صوته هادئًا حريصًا، أشعرني بالألم والأسف، لما لصوته من نبرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت