كنت مرتبكًا فعلًا ، أطبقتُ سماعة الهاتف، وربما لاحظ من كان ينتظر بالقرب من الجهاز شدّة انفعالي هذا، وأنا أغادر دائرة البريد دون وعي، ولكن في الطريق بدأ هدوئي يعود إلي، وأخذتُ الأمور بروية، وزال انفعالي، وهذه هي طبيعتي دائمًا، قلت لنفسي، ربما عادت لها النوبة ليلة البارحة، والخفير كان يراقبها، وربما طلبتني، وهذا أمر هام بالتأكيد ربما رغبت أن توصيني بشيء يخصها، فهي أدرى بما لي من صفات تبعدني عن الوصايا، إلاّ التي تخصها، ولم تنفذها في حياتها، فهي تعرف أني لا أقبل وصايا على مال أو تركة، ودائمًا أكون في الزوايا البعيدة عنها، وكثيرًا ماضحكتْ باستغراب، وعدم تصديق ماقلته لها؟! من أني أكره النقود والأموال والميراث مكتفيًا بالميسور منها، غير أنها بعد ذلك صدقت ما أقول، واعتبرته حالة عادية لصيانة نفسي من السقوط في الهاوية، ولم تلح بشيء من هذا، فكرت بشأنها كثيرًا، رغم علاقتي بها، والتي نمت عن علاقة خاصة، ليست علاقة ابن بوالدته، بل على أسس لا أدري كيف تكونت، ربما من الابتعاد عنها مرارًا ولسنين، ثم العودة للعيش سوية، وربما لظروف لا نعرفها نحن، فقد كانت شديدة الحرص على فهمي واستيعاب وضعي النفسي، وتقلب مزاجي، واهتماماتي الكثيرة بالقراءة والكتابة، لذا فليس من أمر ما قد يحدث فيترك فجوة بيننا، بل ارتكزت علاقتنا وفق شيء عميق وغامض، حتى مرضها الشديد هذا، لم يكن بدرجة أفجعتني، ولربما بسبب مقدمات الأمراض التي عانت منها، لحظتها كنت أنظر إليها، وهي تظهر قنينة الدواء، حيث تدلق محتوياتها داخل راحة كفها، فتمتلئ بالألوان المختلفة، مثل حلوى الأطفال، تأخذ بفرزها بأصبع السبابة، وتنتقي بعضها بهدوء. ثم تعيد الباقي إلى القنينة التي تحملها دائمًا للطوارئ وبجرعة ماء تدفعها داخل معدتها التي تصلبت، وبان انتفاخها كالحجر، وهي لم تبال بذلك، وحين كنتُ أسألها عن إجهاد نفسها، وأن هذه الأمراض اندفعت إليها فجأة، تقول مبتسمة، وبحكمة كعادتها:
-هل يعقل هذا ياولدي، كل هذه الأمراض اندفعت هكذا فجأة...!
-ولكن كيف ترينها..؟!
-كانت موجودة ، لكني كنتُ أكتمها.
-ولماذا؟!
-وماذا تريدني أن أقول عنها؟
من أين داهمتك..؟ ولأي سبب؟
-كل حياتي أسباب ياولدي لا عليك.