فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 15

والإمامةُ العظمى والخلافةُ وجودٌ كونيٌّ مُدرَكةُ المعاني، فهي ليست من التعبدات المحضة التي تؤتى لذاتها كالصلاة والذكر والحج والصيام، بل هي على معنى ما قاله عموم الفقهاء: (أعمال الإمامة منوطة بمصلحة الرعية) ويعني هذا أن للإمامة أعمالًا وهي مقاصدها فحيثُ خلت عن المقاصد ذهب اسمُها، ومن قواعد الفقهاء: (إن المنهي عنه شرعًا لذاته فإنه لا يقع مجزئًا) وبالمفهوم: إن ما لا يجزئ يعني غياب ذاته الشرعية، وهذا لمن فقهها علم أن غياب مقاصد الإمامة من (إمام مبايع) يعني غياب معنى الإمامة الشرعية.

وهذا جوابٌ بلا تطويل على من جهل فزعم شرط التمكين شرطًا باطلًا لتحقق الخلافة.

والحديثُ مع من يعلمُ الفقهَ وأصوله لا مع الجهلة ممن لا يعرفون الفقه ولا أصوله.

2/أ - ويشهد لهذا قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به) وهذه الجنة -أي الحماية والمنعة- لا تكون بغير أدواتِها، وأدواتُها هي ما سُميت بالشوكة والتمكين، والحديثُ يذكر أمرين لحصول معنى الإمام وهما: (يقاتل من ورائه) والثانية: (يتقى به) ، وذلك لتحصل قاعدة الوجود والفقه: الغرم بالغنم، فهو يطاع لقوله: يقاتل من ورائه، فلا يفتأت عليه، وللناس عليه حقٌّ بعد هذا فهو يتقى به، ولا يتقى إلا بمن له هذا المعنى كما هو معلوم.

3/أ - من المعلوم في الفقه الشرعيِّ وقد بسطه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في مقدمة منهاج السنة، أن الإمامةَ عقدٌ بين الأمة والإمام، ومعنى العقد في الشريعة وفي الحقيقة أن هناك عاقدين ومعقودًا عليه والصيغة، وهذه أركان العقد في كتب علمائنا كما يعلمه الطلبة، وحيث يخلو العقد عن أركانه أو مقاصده فإنه لغو، لا يزيد عن هذا اللفظ شيئًا.

4/أ - وقد دلَّ كلامُ ابن تيمية -رحمه الله- في مجمل كلامه أن الإمامة ليست وضعًا إلهيًّا، بل هي إنشاءٌ بشري، حتى أنه ذهب إلى القول (والسياق بالمعنى) بأنه لو أوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإمامة لواحد فخالفته الأمة بعده وبايعت غيره لكان الإمامُ هو من بايعته لا من أوصى به مع معصيتهم في المخالفة؛ لأن مقاصدَ الإمامة تتحققُ فيه لا بغيره، وهنا يبين لكل أحدٍ معنى قولهم أن الإمامةَ وضعٌ بشري، أي هي عقد ككل العقود تحصل بالرضى، ولا بد لها من شروطٍ ومقاصدَ وإلا كان اسمها لغوًا، فمن عقد على امرأة بشرط عدم الدخول ذهب معنى الزواج، وصار العقد لغوًا لا قيمةَ له، وهذا من معنى قولهم في الشرط: (ما كان خارجًا عن الماهية ولا تصح إلا به) ، ومن معنى قولهم: (المنهي عنه شرعًا كالمعدوم حسًّا) .

5/أ - والمعقودُ عليه هو إقامةُ الأحكام وحمايةُ البيضة والدعوةُ إلى الله بالجهاد، وهي مقاصدُ العقد، وهي لا تتحققُ إلا بأدواتها التي سميت شروطًا فأنكرها الجاهلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت