6/أ - وحديث: (إنما الإمام جنة) كقوله - صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) ، وإنما أداة حصر وقصر، فحين يعجز المبايَع عن تحقيق الجُنة أي الحماية بخلوه عن أدواتها أو بتقصير فإنه يذهب عنه وصفُ الإمامة، والإمامةُ هنا بمعناها المخصوص وهي القيادةُ والسياسةُ بالمفهوم المعاصر.
7/أ - وأما أن الإمامةَ بيعةُ رضى فيشهدُ لذلك قولُ الفاروق عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه: (مَن بايع رجلًا مِن غير مشورةٍ مِن المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايع تغرة أن يقتلا) وفي لفظ: (فلا يتابع) ، فشرط الإمامة العظمى حصولُ الرضى، وهو في قوله: (من غير مشورة من المسلمين) ومَن فَقه سيرة عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- في بيعة ذي النورين علم أن الصحابةَ كانوا يرون شرطَ رضى الأمةِ في بيعة الإمام، ففيه: (فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن بن عوف ثم قال: أما بعد، يا علي، إني نظرتُ في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمانَ فلا تجعلن على نفسك سبيلًا) ، فجعل رأيَ الناسِ هو الحاكم في التعيين، والحديث في الصحيح. وقد فقه الفاروق -رضي الله عنه- أن البعضَ سيعترض على ما يقولُ ببيعة الصديق -رضي الله عنه- وأنها جَرَت على غير هذا المعنى، فرد قائلًا: (أنها فلتة وقى الله شرها) وصرف شرها بسبب مقام الصديق -رضي الله عنه- في نفوس الصحابة رضي الله عنهم، وهذا تحقيق لقوله - صلى الله عليه وسلم: (يأبى الله ورسوله والمؤمنون) فتوافق فيه الرضى الإلهي والوقوع القدري.
8/أ- ونوعُ هذا العقد عقدُ وكالة، فإن الأمةَ توكل رجلًا يكون إمامًا من أجل أعمال الإمامة والقيادة، ذلك لأن القرآن يجعلُ إقامةَ الأحكام واجبًا عليها كلها كما قال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ} ولكن لما كان متعذرًا قيام المجموع بذلك فإنهم يوكلون رجلًا بينهم لتحقيق المراد، وبهذا العقد يحصلُ للإمام الشوكةُ اللازمةُ لتحقيق مقاصده، فالأمةُ المسلمةُ هي شوكته وقوته.
9/أ - ولما كانت سُنة الوجود إقامةُ العرفاء، وهم وكلاءُ الأمة في أمورهم وشؤونهم، وكان هؤلاء هم: أهلُ العلم والحكمة والقوة فيهم؛ كان هؤلاء هم أهلُ الشورى أو أهلُ الحل والعقد، أي بيدهم تحقيقُ مقاصدِ مجموع الأمة، وبهذا يُعلَمُ أن الأمرَ أولًا وآخرًا بيد الأمة لا بيد غيرهم، ولو أسقط هؤلاء الوكالةَ عن الآخرين؛ الإمام أو أهل الحل والعقد لما تحقق في أسماء هؤلاء أي معنى، فلا الإمامُ يستحقُ اسمه ولا أهلُ الحل والعقد كذلك، فهذا هو شأنُ الإمامة في دين الله تعالى.
10/أ - وأما ما ذُكر في كتب الفقهاء من أحكامٍ لنوازلَ أخرى كالتغلبِ مثلًا فهي على غير الأصل، فلا تُقَرُّ في الفعل، ولكن حيث تحصلُ الغلبة التي بها تتحقق مقاصد الإمامة جاز إقراره منعًا من فتن الإمامة، وهي أعظم فتن الوجود، حيث تسيل بسببها الدماءُ العظيمةُ في كل طوائف الوجود وأقوامهم ودولهم.
11/أ - إن كان ذلك كذلك، فإنك قادرٌ بعد ذلك على تمييز ما يُقال ويقع من حقٍّ أو باطل، وتعرف معانيَ الأسماء في هذا الباب وحقائقَها كما تعرف أوهامَ الناسِ وجهالاتِهم.
1/ب - يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي