فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 15

الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، ويقول تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} .

2/ب - يثبتُ القرآنُ كما ترى ولايتين بين المؤمنين: أما الأولى فهي الولايةُ الإيمانيةُ العامة وهي في قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} ، وأما الولايةُ الثانية فهي الولايةُ السياسية، وهي التي تسمى اليومَ بالجنسية، فإن الجنسيةَ لدولة الإسلام تثبت بشرطين: الإسلام، وثانيهما: الهجرة، وهي التي تقتضي البيعةَ في داخلها، وقد رتبت الآيةُ الأولى لوازمَ على هذه الولاية، فقد أثبتت المعاني التالية:

2/ب/أ - إثباتُ الإيمان لمن لم يهاجر وذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} .

2/ب/ب - إثباتُ وجوبِ النصرة في جهادهم لخصومهم في الدين حتى مع عدم ولايتهم السياسية بشرط أن لا يكون هذا الجهادُ فيه نقض لما التزم به الإمامُ المخاطبُ في الآية مع المشركين.

2/ب/ج - إثباتُ جواز عقد الهدنة مع المشركين بشروطٍ معروفةٍ في الفقه وذلك في قوله تعالى: {إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} .

2/ب/د - إثباتُ إمكانية وقوع الفرقة السياسية في طوائف المؤمنين وهو بيِّن في الآية الأولى، فإن الآيةَ أثبتت جوازَ قتال الدعوة للفئة المهاجرة وذلك في قوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} وهذا من أعمال الإمامة إلا أن الشارعَ أجازها للطائفة الخارجة عن سلطة الإمام، ويشهد لذلك ما جاء في الصحيح من قصة أبي بصير -رضي الله عنه- بعد صلح الحديبية وفيه: (ثم رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا، فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير ... حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم) .

فأفاد الحديث:

2/ب/د 1 - أن هناك أسبابًا أخرى غير ما ذُكر في الآية الأولى من إمكانية تفرق المسلمين السياسي، وهو هنا التزامُ فئة من المسلمين بعقد لم يلزم غيرهم، فهذا أبو بصير صار فئةً أخرى غير أهل المدينة يقومُ بأعمال الإمامة والجهاد.

2/ب/د 2 - وقد استدلَّ بهذا الحديث ابنُ تيمية -رحمه الله- على هذا المعنى في بعض فتاويه، حيث التزم بعضُ ملوكِ الإسلام بعقودٍ مع الكافرين فلم يجعلها ملزمةً لكل ملك من المسلمين الآخرين، وهذا يُبعد ما زعمه بعض المعاصرين أن قصة أبي بصير حادثةُ عين.

2/ب/د 3 - وحيث جاز للطائفة الأولى الالتزام بالعقد الذي يمنع القتالَ مع الآخرين في الدين، فللطائفة الثانية هذا المعنى ولا شك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت