3/ب - كلُّ هذا التفرق على خلافِ الأصل كما هو معلومٌ، لكن ضرورات الوجود تفرض هذه الصور وغيرها كما رأينا وإلا فالأصلُ قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} .
4/ب - كلُّ هذا يُثبتُ أن إلزامَ المسلمين ببيعةِ واحدٍ في كل آن غيرُ صحيح، ويَذهبُ قائله في الضلال إن أجاز قتلَهم بترك البيعة، ويكون حقًّا من كلاب النار إن كفرهم لهذا الفعل أو بنى عليها -أي البيعة لأميره- أصلًا من أصول الدين، وقد تبيَّن من الآية الأولى إثباتُ الإيمان لتارك الهجرة والبيعة.
5/ب - حديثُ عبد القيس وفيه: (إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من القوم؟ أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحبًا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى. قالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبره من وراءنا وندخل به الجنة، ... وأن تعطوا من المغنم الخمس) .
وهذا فيه:
5/ب/1 - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرهم بالهجرة، بل أقرهم على سكن بلادهم، فدلَّ أن الهجرةَ المأمورة ما كانت للفرادى ممن قال الله عنهم: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} فإن قدر المرء على إظهار دينه عاد، والأمر إلى تقدير الإمام وجماعته.
5/ب/2 - أجازَ لهم أعمالَ الجهادِ تحت ولايته بتقديرهم هُم وذلك في قوله: (وأن تعطوا من المغنم الخمس) مع عدم اتصال البلاد.
5/ب/3 - مجموعُ أمرِ حالِ وفدِ عبد القيس وحالِ أبي بصير أنَّ أعمالَ الجهاد -وهي من أعمال الإمامةِ- تجوزُ على كل حال بإذن الإمام إن كان تحت ولايته، وبدون إذنه إن لم يكونوا كذلك، فرادى أو جماعات.
1/ج - أعمالُ الإمامة منوطةٌ بالقدرة، والقدرةُ قد تقصر وقد تقوى، ودلَّ على ذلك أمورٌ منها:
أ- أصلُ البيعة التي جرت في العقبة، وثانيًا كان مضمونها منع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحمايته، ومعناه أن يدفع عنه إن قُوتل في المدينة، ففي المسند أن عبادةَ بن الصامت قال: (إنا بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي بايعنا عليها) . قال ابنُ كثير: إسناده جيد قوي.
ب - لقد احتاج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمل إمامته لأهل المدينة إلى رأي الأنصار في بدرٍ لما خرج للقافلة فتبيَّن أن أمامهم قتال قريش، وأصل الحديث في البخاري وهو عند مسلم بتفصيل وعند أحمد: استشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مخرجه إلى بدر فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقال بعض الأنصار: إياكم يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها ... الحديث.
ج- ما وقعَ مع عليٍّ -رضي الله عنه- بعد مقتل ذي النورين -رضي الله عنه- فإنه اعتذر عن القصاص بالفتنة وعدم القدرة، والنصوصُ معلومةٌ لطالب العلم فليرجع إليها.