فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 15

كما أننا نعلمُ أن طولَ الطريقِ وتعاقبَ الزمن ينشئُ في السائرين الأمراضَ، ومن سُنن الله تعالى حصولُ الفتن في الجماعات والأمم، وهذه العوارضُ أصابت هذا الطريقَ فصار فيها ما صار، وخاصةً في باب الغلو، وقد أخذوا بلا فهمٍ ولا تدقيقٍ عمومات ما قاله أهلُ الطريق.

وقد جاءت هذه الفتنُ لتبتليَ الناسَ، وهو ابتلاءٌ يُحدِثُ الفرقةَ بين الناس بحسب منازلهم، وضريبةُ هذا الافتراق كبيرةٌ، لكنها ضرورية، وبفضل الله تعالى لم أكن حزينًا لكل ما يقع، بل أرى حكمةَ الله تعالى في ذلك حيث يُنقِّى هذا الطريق من زوائده وشذوذه وانحرافاته، ولقد كان الناسُ لا يعرفون الفَرقَ بين أهل الغلو وأهل الجهاد لأن قضايانا لا تهم العمومَ من الناس، لكن اليوم فإن هذا الافتراقَ مشهورٌ معلوم، والمرء يحمد الله تعالى أن لا يُنسب إليه شرٌّ ولا بدعةٌ ولا انحراف، حتى لو كان أهلها الأكثر والأغلب، فإن القرآن ليعلمنا قواعدَ الوجودِ والاتباع، أما الوجودُ ففي قوله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} فلن يصحَّ وجود إلا الحق، ولو بدا للناس أن فورةَ الباطل وفقاعته عظيمةُ الشأن فإن المرءَ رأى الكثيرَ في حياته، ولم تعد تهمُّه هذه الفقاعاتُ والطفراتُ السريعة، فهي لا تخدع إلا الأطفالَ ممن تشغلهم الكثرةُ، وأما الاتباع ففي قوله تعالى: {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} وإنه بحمد الله تعالى قد وُفِّقتُ في بدايتي إلى من علَّمني عدمَ الاغترارِ بالقطيعِ وفقهه مهما بلغت كثرته.

والآن جاء وقتُ التمحيصِ والابتلاءِ وسيُحدث هذا افتراقًا وضعفًا، لكن له العاقبةُ التي تُحمد -إن شاء الله تعالى- ولكن بشرطِ الصبر والثبات والفقه، فها هي جموعُ الغلط تتجمعُ في صعيدٍ واحدٍ، وسينزعُ إليها صاحبُ هوى صار بينه وبين إخوانه ما يعلقُ في هذا الطريق فيجدُ في هذه فرصةً له للانتقام وإظهار ما طويت على نفسه، وصاحبُ حبِّ رئاسة فاتته في سبيلٍ يجدها عند هؤلاء، وصاحبُ بدعةٍ لم تُعالَج بالعلم فهي عند هؤلاء سبيل للإمامة والتقوية، وهؤلاء وإن كان أساسُ الإعلان الأول نزعةُ الهوى (أقصد إعلانَهم أن جبهةَ النصرةِ هي يدُهم وفرعُهم في سوريا الشام) فكيف ما تلاه؟ ومن كان صاحبَ نظرٍ وفكرٍ فإنه يستطيعُ رؤيةَ تطور الأهواء في هذا الحدث من أوله إلى يومنا هذا، كيف تسارع ونما حتى صار إلى ما صار إليه من إعلان الخلافةِ البدعيِّ هنا كما سنرى.

حقًّا إن بعضَ الفتنةِ عطاءٌ والحمدُ لله رب العالمين.

بعيدًا عن تقاليد عرض موضوع الإمامة العظمى في الفقه الإسلامي فإني سأرتبُ الأبحاثَ على وجهٍ يجيبُ على أسئلة الكثيرين، كما يُبيِّن زيغَ القافزين عليها بجهل دون علم، فأقول وبالله التوفيق:

1/أ - الأسماءُ تحمل قيمتها الدلالية بما تنشئ من التزامات ومعانٍ، وهي لا تستحق هذه الدلالةَ ولا هذه الالتزاماتِ إلا بكونها دالةً على حقائق، وكلمةُ الخلافة وضعٌ اصطلاحيٌّ له حقائقُ تُعلَمُ من خلال مقاصد هذه الكلمة، فكلما تخلَّفت المقاصدُ دلَّ على فقدان حقائق هذه الكلمة، وهذا أمرٌ فطريٌّ لا تنكره بداهةُ العقول، فإن خوطب المرءُ بغير هذا فقبله فقد خرج عن بداهة العقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت