فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 15

1 -تقدَّم أن أمرَ الإمامة لا يكونُ إلا عن رضى، ولا يحصلُ إلا باتفاقِ أصحابِ الأمرِ من أهل الشورى، وقد عُلم أن أصحابَ الشوكة هم المجاهدون في سبيلِ الله تعالى في الأرض من سوريا الشام واليمنِ وأفغانستانَ والشيشانِ والصومالِ والجزائرِ وليبيا وغيرهم من أهلِ النكاية في أعداءِ الله، وقد عُقِدَ أمرُ الخلافة بعيدًا عن هؤلاء، ولا يُعلَمُ من بيانهم إلا أن جماعةً فقط -أعلن ذلك الناطق الرسمي لهم- هي من بايعته، وبأمر الفاروق -رضي الله عنه- وفقه المتقدم يُعلم عدمُ جوازِ متابعةِ المبايِع والمبايَع، بل هما تحت فقه (تغرة أن يقتلا) .

وهذه الجماعةُ (الدولة في العراق) ليست لها ولاية على عموم المسلمين حتى تقضي الأمر بعيدًا عنهم، وليست هي في الباب -إن أحسنَّا بهم الظن وإلا ففيهم الشرُّ الذي تكلمتُ عنه سابقًا من الغلو والانحراف والفساد وشهوة الدماء- أقول: ليست في هذا الباب إلا جماعةً من المسلمين لا جماعةَ المسلمين التي تقال لها الخلافة والإمامة العظمى، فهذه بيعةٌ في الطاعة لا تُلزم إلا أصحابَها فقط، والأسماءُ من غير حقائقها لا تغيِّر شيئًا.

2 -تهديدُهم بالقتل لمن شقَّ عصا المسلمين وهذا الأمر لا يقال إلا بعد الانعقاد لقوله - صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرِّق جماعتكم فاقتلوه) فهو بيِّن في قوله: (وأمركم جميع على رجل واحد) وأما هؤلاء فقد أنزلوه على غير وجهه؛ فإن الناسَ اليومَ جماعاتٌ لا يجوز جمعهم إلا على وجه الرضى أو حصول الغلبة المطلقة، وقولنا: الغلبةُ المطلقةُ لا تعني جواز التغلب، ولا القتال ضد المخالفين لحصوله، فإنَّ هذا قيل من أهل الفقه لمنع سلسلة الخروج، فإقرارُ الشيء بعد وقوعه لا يعني شرعيته في الابتداء وعلى قاعدة الشرع: (يعفى في الأثناء ما لا يعفى في الابتداء) .

3 -إلغاؤهم جماعاتِ المسلمين في عموم الديار إلا جماعاتهم، وهذا الافتراء بلا علة سوى علة إعلان الخلافة، وقد تبيَّن سابقًا فسادُ هوى العلة فليس بالإعلانِ والأسماءِ يحصلُ الالتزام.

4 -واقعُهم يدلُّ على سعارهم في قتالِ مخالفيهم، وهذا القتالُ إثمٌ وجريمةٌ كبيرةٌ على أي معنى كان، سواء كان من أجل الغلبة أو من أجل غيرها، أما إن حصل تكفيرٌ للمخالف فهذا دينُ الخوارج ولا شك.

5 -قد تبيَّن من حالهم أن مُقدَّميهم أهلُ غلو وبدعة، وقد فرغ من هذا وتبيَّن جليًّا، وفيهم جهلٌ عظيم، حيث لا علماءَ ولا فقهاءَ يقدرون سوقَ هذا الأمر العظيم الذي ادعوه (الخلافة العظمى) ، وهُم وإن حصل لهم في آخر الأمر بعضُ سلطانٍ في العراق إلا أن الله تعالى يقول: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} وتحت هذه الآية العظيمة فرَّع فقهاء الملة عدمَ جوازِ تولية الظالم، وهُم وإن كان لهم نكايةٌ في الزنادقة الأنجاس لكن هذا شيءٌ وأمرُ سياسة المسلمين وقيادتهم شيءٌ آخر.

فهؤلاء لا رحمةَ في قلوبهم على إخوانهم المجاهدين فكيف سيكونُ أمرهم على فقراءِ الناسِ ومساكينهم وضعفائهم وعوامهم، وقد أجاز علماؤنا الجهادَ تحت الأمير الخارجيِّ كما أفتى علماءُ المالكية في المغرب الإسلامي، لكن لا يعلم إقرارهم لحاكمٍ خارجيٍّ يكونُ همُّه قتلُ الناس لا سياستهم ورعايتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت