وروي عن الحسن البصري أنه قرأ قوله تعالى (قالوا لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدْرَأتكم به) يونس/16. قيل فيها لغة من سوى دريت وأدريت فلعله ذهب إليها ورد الفراء هذه اللغة لأن الياء والواو في هذا الموضع إذا انفتح ما قبلهما وكانتا ساكنتين لم ينقلبا إلى إلف، والتمس الفراء للحسن ذهابه في هذا المذهب بأن ذلك راجع إلى طبيعته وفصاحته فهمزها، لأنها تضارع درأت الحد وشبهه (56) . وذهب أبو حاتم إلى الإبدال في قراءة الحسن أي أبدل الياء ألفا على لغة بني الحارث بن كعب (57) ، وهذا بعيد أن تقلب الياء ألفا وتقلب الإلف همزة وصاحب هذه القراءة يميل في أغلب الأحيان إلى لغة التسهيل، وتعضد قراءة الحسن قراءة ابن عباس (ولا أنذركم به) (58) الانعام/19، وقيل القراءة بالهمز لها وجهان احدهما: قلب الألف همزة كما قيل: لبأت الحج ورثأت الميت، وحلأت السويق، لأن الهمزة والإلف من واد واحد، ومصداق ذلك أن الإلف إذا مستها الحركة انقلبت همزة (59) . نقول هذا في حال كون الإلف منقلبة عن واو لا عن ياء، لأن الواو تطرد في القلب مع الإلف، كما تطرد الالف مع الهمزة. أما الوجه الثاني تكون على بابها من الفعل درأته إذا دفعته، وأردأته إذا جعلته دارئا، والمعنى على ما قيل: ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤوني بالجدال وتكذبوني (60) ، وعلى هذا المعنى نقل عن ابن كثير المكي (61) . أنه قرأ بلام الابتداء لإثبات الادراء قال تعالى: (ولأدراكم به) يونس/16 وعليه من قرأ بالهمزة ليس بغلط والمعنى فيها (ولو شاء الله لدفعكم عن الإيمان به) (62) .
أما الهمزتان المتفقتان بالفتح، فقد قرأ أهل المدينة وأبو عمرو بن العلاء التميمي والأعمش بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وهذا ما نقل عن أهل الحجاز عامة وقريش وأسد بن بكر وكنانة (63) .
ومن العرب من يجعل بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفا ففصلوا بينهما بالإلف كراهية النطق بهما معا، وهذا مروي عن أبي إسحاق أنه قرأ (أأنذرتهم) البقرة/6 فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا على سمت لغة بني تميم (64) .
وقيل إذا اختلفتا الهمزتان بالفتح والكسر كقوله تعالى: (أإذا كنا) و (أإله مع الله) و (أإنّ لنا) فالمكيون والمدنيون وأبو عمرو بن العلاء يسهلون الثانية وقيل إنّ أبا عمرو وقالون وعيسى بن مينا المدني يدخلان قبلها إلفا (65) . وقد نقل عن أبي عمرو ونافع المدني تحقيق الثانية بعدما يدخلان بينهما إلفا (66) ، وتسهيل الأولى، إلا أن ذلك ردئ لأن التسهيل لا يكون ابتداء بل هو مدعاة ما بعد التلفظ بالثقيل.
أما حمزة بن حبيب التميمي وعاصم الكوفي والكسائي، يحققون الهمزتين، إذ أخرجوا ذلك على الأصل ولم يفصلوا بينهما وهذا ما أختاره أبو عبيدة (67) . ونقل عن محمد بن عبد الرحمن بن محيص من أهل الحجاز أنه قرأ بهمزة واحدة على لفظ الخبر، وهمزة الاستفهام مرادة ولكنهم حذفوها تخفيفا وفي الكلام ما يدل عليها (68) .
ومن الآيات التي اختلفت حركات همزاتها بالفتح والكسر قوله تعالى:
"أئنِكم"الأعراف /81.
"أئِن لنا لأجرا"الأعراف:113.
"أءِ ذا ما متُّ"مريم: 66.
"أئن لنا لأجرا"الشعراء/41.
"أءِ نك"الصافات: 52.
"أئفكا"الصافات: 86.
"أئنكم"فصلت/9.
أما إذا كانت حركاتها فتحًا فضمًا فأبو عمرو بن العلاء على بابه يسهل الثانية ويدخل قبلها الفا وكذلك عيسى بن مينا المدني أما الباقون يحققون الهمزتين (69) .
ويرى المُستشرق تشيم راين ان (( كل اللهجات باستثناء تميم خففت الهمزة الثانية من همزتين منفصلتين بحركة قصير فقط، ولا يتم تطويل تلك الحركة إلا إذا جاءت الهمزة مباشرة قبل صوت صامت ) ) (70) . وقيل في لهجة ما مدّت الحركة ولكنها ما زالت تنطق همزة (71) .
ومن هذه الهمزات قوله تعالى:
"كما أمن السفهاء أَلا"البقرة/13.
"قل أَؤُنبئكم"آل عمران/15.
"أءُنزل عليه"ص:8.
"أءُلقي الذكر"القمر: 25.
إن نافع المدني وابن كثير وأبو عمرو بن العلاء يسهلون الثانية وقالون يدخل بينهما إلفا والباقون