وقيل ان أهل المدينة عامة يهمزون هذا الحرف (41) ، ولم يجوزا الفراء وأبو جعفر النحاس ذلك وجعلوه لحنا لأن الواحد منها على وزن (مفعلة) والياء من أصل الكلمة وعلى هذا الأساس لا تهمز وإنما الذي يهمز ما كانت الياء فيه زائدة (42) . إلا أن المدقق في ما نقل عن هؤلاء القراء لا يحكم بما قال به الفراء وأبو جعفر النحاس، لأنهم قد اخذوا القرآن عن الخلفاء فهذا ابن عامر أخذ القرآن عن عثمان بن عفان قبل ظهور اللحن، وكان نافع يقرأ على سبعين من التابعين وهو من الفصاحة والضبط والثقة بالمحل الذي لا يجهل والأمر نفسه بالنسبة للأعرج والأعمش وزيد بن علي (43) .
لقد وقف النحاة (44) ، في وجه هذه القراءة وجعلوها من الخطأ. إلا أن الفراء التمس لها وجها بكون العرب يتوهمون في هذا ونحوه بأنها على (فعيلة) (لشبهها بوزنها في اللفظ، وعده الحروف، كما جمعوا مسيل الماء أمسله شبه بفعيل وهو مفعل وقد همزت العرب المصائب وواحدتها مصيبة، شبهت بفعيلة لكثرتها في الكلام(45) . وعلى هذا النحو ثبت الهمز بالنقل عن القراء وهذا ما يوحي بثنائية الاستعمال.
كما قرأ أهل الحجاز (قل من كان عدوا لجبريل) البقرة/97 بلغة التسهيل والأصل فيه الهمز، وقد نقل صاحب التاج (46) ، إن (جبريل) من غير همز أشهر اللغات وأفصحها وهذا ما نقل عن أهل الحجاز وثبت بالمصحف، إلا أن (معائش) ثبت بالمصحف على الأصل دون همزة، والذين همزوا هذا الحرف هم من البيئة الحجازية فلماذا هذا التباين في تخريج صحة هذه القراءة، علما أن تميما وقيسا قد قرأوا بتحقيق الهمزة (جبرائيل) وهي لغة كثير من أهل نجد واختارها الزجاج وقال عنها هي أجود اللغات (47) ، لأنها جاءت على الأصل.
إن التدقيق في هذه المرويات يشعر بوجود ثنائية في هذا الاستعمال اللغوي أي أن هذه الحروف المهموزة صور مقابل للصيغ غير المهموزة، وهذا الأمر لا يحول دون تقارض اللهجات أي أن الظاهرتين (الهمز والتسهيل) قد وردتا على لسان من لم يتصف بهما (48) . فضلا عن كون المباني الصرفية قد تتمثل بأكثر من صورة لفظية، وهذا ما يعرف باللغة الثانية لذلك الحرف، وهذا ما لمسه أبو حيان الأندلسي حينما خرج قراءة الحسن بن يسار البصري للفعل (سُئل) إذ قرأ الحسن البصري (سُئِل) من قوله تعالى (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سُئِل موسى من قبل) البقرة/ 108. قال: (( اللغة الثانية في(سأل) أن تكون عين الكلمة واوا وتكون على (فعِل) بكسر العين، فتقول: سلت أسأل، كخفت وأخاف، أصله: سَوُلْت، وعلى هذه اللغة تكون قراءة الحسن وقراءة من أشم، وتخريج هاتين القراءتين على هذه اللغة أولى من التخريج على أن أصل الإلف همز، فأبدلت الهمزة ألفا فصار مثل قال وباع ... لأن هذا الإبدال شاذ لا يقاس وتلك لغة ثانية، فكان الحمل على ما كان لغة أولى من الحمل على الشاذ غير المطرد )) (49) ، وهذا ما أشار إليه العكبري بتمثيله يقولون: ساولته (50) ،لان هذا الأمر يشعر بوجود ثنائية في اللفظ فضلا عن تلفظ الهمزة وان المد الحاصل في صيغة (سِئل) ليس تطورا صوتيا من (سُيل) وهي صورة من الفعل (سُيل) الذي ماضيه (سأل) ولكنه صيغة المبني للمجهول الحجازية العادية من الفعل الحجازي (سال) الذي أصله (سول) وهو مقابل الصيغة المهموزة (سأل) (51) . لأن هذا القول يتناسب مع الرواية التي نقلت عن الإمام علي (ع) بأن قريشا ليسوا بأصحاب نبر ولولا أن جبرائيل نزل بالهمزة على النبي (ص) ما همزنا، أي ثمة صيغ غير مهموزة مقابل تلك الصيغ المهموزة، ولعل الحسن البصري _وهو من البيئة التي تروم الهمز _أقتفى رسوم أهل الحجاز في نطق هذا الحرف وذهب في مذهب التسهيل (52) .
وقرأ عاصم بن أبي النجود الاسدي الكوفي (التناوش) في قوله تعالى (( وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) )سبأ/52 بلغة التسهيل علما أنه من ابناء البيئة التي تحقق الهمز، وقرأ أبو عمرو بن العلاء التميمي البصري وحمزة بن حبيب التميمي الكوفي والكسائي وبتحقيق الهمز (53) .
وقرأ سعيد بن جبير الاسدي بالولاء الكوفي قوله تعالى (( فبدأ بأوعيتهم قبل إعاء أخيه ) )يوسف/76 وعلة ذلك إنما فرّ إلى الهمز لثقل الكسرة على الواو، فضلا عن كونه من البيئة التي تروم الهمز (54) . وقيل هي لغة لهذيل يقولون: أكان وكان (55) .