وفي بعض القضايا احتجت أن أُؤَصِّل لها من الناحية الشرعية، فتوسَّعت في سَوْقِ الأدلة وَرَدِّ الاعتراضات لأن حَسْمَ النزاع في تلك المسألة ينبني عليه عمل عظيم.
ولا أُحِلُّ لأحد أن ينسب إليَّ ما سكتُّ عنه، أو أن يستخدم مفهوم المخالفة بأنواعه، أو دلالة الالتزام أو التضمّن، بل المُعتمد هو مَنْصوصُ الكلام ومنطوقُه، أو ما كان من قبيل قياس الأولى أو ما هو في حكم المنصوص عليه.
وما كان من خطأ في التأصيل والتقدير والتحليل يراه القارئ لهذه الكتاب فَحَقِّي عليه النصيحة، وحقُّه عليَّ القَبول، {والله يحكم بيننا وإليه المصير} .
وأنا مُلْتَمِسٌ من قارئ حازَ من هذا السِّفر نَفْعًَا ألا ينساني بدعوة صالحة خالصة في السَّحَر، وليعلم أن ما في هذا الكتاب مِن غُنْم فحلال زُلال له ولغيره، وما كان مِن غرم فهو عَلَى كاهلي وظهري، وأبرأ إلى الله من كل خطأ مقصود، وأستعيذه من كل مأثم ومغرم.
فدونك أيها القارئ هذا الكتاب، اقرأه واعمل بما فيه، فإن عجزت فَأَقْرِاهُ غيرَك وادْعُه أن يعمل بما فيه، فإن عجزتَ - وما إِخَالُكَ بِعَاجِزٍ - فبطْن الأرض حينئذ خيرٌ لك من ظاهرها.
ومن سويداء قلبي أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعك بما فيه وأن يقوّيَك على العمل بما انتفعت به، وأن يرزقك الصبر على ما قد يلحقك من عَنَتٍ وأذى، وأن يتقبل منك سعيك في خدمة الدين، وعند الله اللقاء، وعند الله الجزاء.
(القاعدة الأولى)
خدمة الدين من ضروريات الدين
نعم! إنها خدمة يَشْرُفُ بها العبد وليست مَهْنَةً قَسْرية يُهان بها، أو منصبا تشريفيا يخيّر بين القبول به أو الإعراض عنه، وليست تبرعا ولا فرض كفاية ولا مجرد أداء واجب، وإنما خدمة الدين ركن من أركانه وضروريٌّ من ضرورياته وأساس من أسسه. ولقد كان هذا المعنى مستقرا عند السلف الصالح استقرارَ المعتقَد في القلوب، ولم يحتاجوا أن يستدلوا له أو أن يقرِّروه لأنفسهم بشتى وجوه الاستدلال، بل كان يكفي أن يُسْلِمَ الواحد منهم أو يستقرَّ الإسلام في قلبه ليعتبرَ نفسه بعد ذلك مَنْذورَةً لهذا الدين، ويجنِّدَها في خدمته، ويَصرِفَ مجهوداتِها في نصرته والذَّوْدِ عن حَوْزَتِه.