إن هذا الدين إذا تأمّله المتأمِّل عَلم أنه صِيْغَ ليكون المتمسّكُ به داعيةً إليه، ودَلاّلًا عليه. ومع مَزِيد تأمّل يرى المرء أن مَن أراد أن يكون مسلما دون تَبِعات ومسئوليات تجاه إسلامه فإنه رَامَ ضرْبا من التديّن شبيهًا بتدين الرهبان في الكهوف والصوامع والبِيَعِ، وقد تقرر أنه لا رهبانية في الإسلام.
إن من أوائل الأوامر الربانية التي نزلت في القرآن: الأمر بالنِّذارة وتبليغ الوحي للخليقة، يقول تعالى: (يا أيها المدّثر. قُمْ فأنذِر) . ثم توالى بعد ذلك ما يمكن أن نسمّيَه فقهَ الدعوة، حيث تضمّن التنزيل أوامرَ عُنيتْ بالشان الدعوي مثل قوله تعالى: (فاصْدَعْ بما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عن المشركين) وقوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) وقوله: (ادْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادِلْهم بالتي هي أحسن) ، وهي آيات ترسم صورة المسلم الداعية الذي يتبع نهج نبيه صلى الله عليه وسلم.
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أوائل اهتماماته صِيَاغَةُ الشَّخصية الدعوية التي تحمل هَمَّ الدين وتبذُل له. وكان أول من دعاه النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فلم يكن ذلك الصديق عَالَةً على الدعوة وعِبْئًَا عليها، بل تحرك من أول يوم ينشر هذا الدين حتى دخل بجهوده الدعوية في أول الأمر ستة من سادات قريش الشبان، إضافةً إلى سعايته في فِكاك العبيد الذين أسلموا من أَسْر الرِّق.
وإنّ تحرك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في أقطار الأرض لَدَليلٌ على أن الشخصية التي صاغها النبي صلى الله عليه وسلم ورباهم عليها هي الشخصية المتحركة للدين التي لا تعرف السكون ولا الكمون.
(وفي تفسير قوله تعالى: {يا أيها المدثر. قم فأنذر} يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أُنزل إليه(أي النبي صلى الله عليه وسلم) ، ويُنْذِروا كما أَنْذَرَ، قال الله تعالى: {فلولا نَفَر من كل فِرْقَةٍ منهم طائفةٌ ليتفقوا في الدين ولينذِروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يَحْذرون} ، والجنُّ لما سمعوا القرآن: {وَلّوْا إلى قومهم منذرين} . ويقول ابن القيم رحمه الله: وتبليغ سنته صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أفضلُ من تبليغ السهام إلى نحور العدو، لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. ويقول الغزالي رحمه الله: اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا في هذا الزمان عن مُنْكر، من حيث التَّقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحمْلهم على المعروف، فأكثر