بالسوء، ولِتعْلم أنك من جنود الحق، لا يَسَعُكَ التَّوَلِّي يوم الزحف إلا مُتَحَرِّفا لقتال أو مُتَحَيِّزَا إلى فئة.
مجالاتٍ طَرَّقْتُها، وفتحت بعض مغاليقها، أدعو الدعاة أن يُديموا الدرْسَ فيها، ويتوسعوا في التنظير لها والتطبيق والتخصُّص. وأحسب أن كل طريقة تحتاج إلى تخصص مستقل، وتحتاج إلى تصنيف مستقل، يستفيد منه الدعاة في مشارق الأرض ومغاربها.
وإذا كانت العلوم العصرية تَجْنَحُ إلى التخصص الدقيق، وتعتبره دليلا على الإتقان، فأَجْدِرْ بدعاتنا أن يكونوا أَتْقَنَ الناس لعملهم، وأكثر الناس استجابة لما تتطلبه دعوتهم.
وأنا أدعو كلَّ داعية غيور أن يَنبِذ الارتجالية في دعوته، ولْيَقصِد هذه الطُّرُق، ولْيتخصص فيها أو في بعضها بل في واحدة منها، وليصنف فيها مؤلفا مستقلا يضع فيه خبرته، ويعالج فيه كل المشكلات التي واجهها والتي يتوقعُها، بل إنني أدعو كل مثقف مسلم أن يُدْلِيَ بدلْوه في شئون الدعوة في حدود تخصصه غير متجاوز لها، معاونا إخوانه الدعاة بخبْراته واطّلاعاته، لعله أن يستفيد من علمه مستفيد أو ينجو به ناج.
فها هي ذي مسالك خدمة الدين، فَجَرِّدْ نفسك لها كلها، {وما يُلَقّاها إلا الذين صبروا، وما يُلقاها إلا ذو حظ عظيم} . أو انْتَقِ منها ما تُتْقُنُه، أو تَخَصَّصْ فيما تَجدُ نفسك قادرةً عليه مستطيعةً إياه.
واعلم أن ما أوردته هنا من اقتراحات وأفكار مُرْتَهَنٌ تطبيقُها بالاستطاعة والمناسبة، وكلُّ داعيةٍ خبيرٌ بواقعه وما يلائمُه. وكلُّ داعيةٍ بصيرٌ بما يجب المصيرُ إليه من مسالك خدمة الدين.
وما كان من أصول دعوية جامعة فهي مما لا يقبل النسخ والتخصيص، بل يجب أن نُوجِد له الصيغةَ التي يحصل بها الإجماع. وما عاد وقتُ الدعاة يسمح بالخلافات اللفظية، والمُمَاحَكَاتِ الكلامية، والاعتراضاتِ الفلسفية الفارغة، بل يجب البِدارُ إلى التّفاهُم، والمسارعةُ إلى التعاون، والسعيُ الحثيث إلى كلمةٍ سواءٍ تجمع بين المسلمين في كل مكان.
وقد أطلْتُ النَّفَسَ في بعض الطرق للاحْتياج، ولِغُموضٍ في فَهْم الناس لتلك الطريقة، وقد أشير إلى كثير من الطرق الأخرى لخدمة الدين عبْر شرح طريقة معينة، فليس عدد الثلاثين مقصودا لذاته، فقد تكون طرق خدمة الدين بالمئات، عَلِمَها مَن علِمَها وجَهِلهَا من جَهِلها، والسعيد من وفقه الله للعلم والعمل.