وإذا أردنا أن نؤرخ لابتداء [1] احتراف جهد الدعوة إلى أية فكرة فنستطيع أن نذكر محاولات التنصير الحاذقة التي ابتدأت في قارة آسيا مع مطلع القرن السابع عشر حيث تزامن مع الحركة الاستعمارية الاقتصادية الأولى - على يد الشركات الشرقية - زحفُ المنصرين من كل المذاهب على تلك البلاد البكر (كالهند وما جاورها) فنشأت أولى الحركات التنصيرية المحترفة التي كانت تمول بأموال الشركات الاقتصادية الاستعمارية، وتدار بجمعيات علمية (جغرافية وطبية اجتماعية) تحت رعاية التاج البريطاني رأسا، حيث كانت الملكة إيلزابيث الأولى ملكة التاج البريطاني وراعية الكنيسة الإنجيلية.
ثم تطورت جهود المنصرين العالمية في توسيع رقعة نشاطاتهم حتى غدت جهدا دوليا مكثفا تتوجه لخدمته كل الإمكانات المتاحة وبإدارة مجلس الكنائس العالمي الذي تأسس للتنسيق بين ملل النصرانية المتناحرة.
وفي إحصائية متأخرة ذكر بعض الباحثين أن ميزانية جمعيات التنصير لعام 1999 م قد فاقت 200 مليار دولار، ولا شك أن هذا المبلغ متواضع جدا مقارنة بالمبلغ الحقيقي الذي تنفقه الدول النصرانية في تسيير سياسات العالم بما يصب في مصلحة المنصرين لا محالة.
أمام هذا البذل الذي يبذله أهل الكفر، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن من أسئلة: ماذا أعد الدعاة أمام هذا الإتقان في العداء للدين؟! إن الجواب الذي يرضي كل منصف أن دين الله تبارك وتعالى يأخذ مجراه في قلوب الناس ويغزو كل الأقطار بتقدير الله وحسب، ولم يأخذ حقه من جهد الدعاة بل المسلمين.
حتى المجهودات التي تبذلها الهيئات الإسلامية العالمية نجدها - مع كثرتها وتشعب أنشطتها - تدار بطرق بدائية، ولا يعتمد في إدارتها على المتخصصين، كما أن تلك الهيئات لا تملك تصورات محددة لأنشطتها المستقبلية، وغدت أعمال الدعاة - كمال قال بعض الغيورين - مجرد ردود أفعال للمآسي التي تحيق بالمسلمين بين الحين والحين.
(1) أربأ بك أيها القارئ أن تظن من كلامي أن الرعيل الأول لم يحترف الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، بل المقطوع به أنه ما من جيل بذل وضحى في سبيل دينه مثل جيل الصحابة والتابعين، ولكنني ضربت المثال بحركات التنصير لأمرين:
الأول: أن جهودهم تتزامن مع بدء إرهاصات الصحوة الإسلامية في أواخر القرن الثامن عشر حيث ظهرت الحركات الإصلاحية العملاقة مثل حركة محمد بن عبد الوهاب السلفية في جزيرة العرب، والحركة الإصلاحية العلمية في الشام والهند واليمن ومصر.
الثاني: أن في ذلك تحفيزا لغيرة المؤمنين على دينهم.