الصفحة 32 من 214

وإنه ليس من البذل للدين في شيء أن نرى أعداء الله تبارك وتعالى يستغلون كل المستجدات العصرية المتطورة ثم إذا نظرنا نظرة إلى الدعوة الإسلامية إذا هي تدار بطريقة عشوائية، وإذا بالمسلمين يعجزون عن خوض المعركة الحضارية الكبرى مع ملل الكفر بشيء من إتقان العمل وإحسانه.

إن الله تبارك وتعالى لا يحابي في سننه أحدا، وجعل في سيرة الأنبياء مدكرا لكل ذي لب، فلم يشفع لهم كونهم رسلا من عند الله تبارك وتعالى، ولم يشفع لهم نقاء الحق الذي يحملونه، فكذبوا وأوذوا وطردوا وحوربوا بل وجرحوا وقتلوا، ومع ذلك فقد بذلوا الوسع في القيام بالدعوة، فدعوا إلى الله سرا وجهرا وجيشوا الجيوش واشتروا السلاح واستعاروه وحفروا الخنادق وابتكروا وسائل الكر والفر، ولم تلن لهم قناة في أمر الدين.

وهكذا ينبغي أن يكون دعاة اليوم، في هذا العصر الذي صار المحك في الغلبة للأخذ بالمتطور من مستجدات العصر كأجهزة اتصالات وتقنية إدارة الأعمال وغير ذلك مما يحتاج إلى ملاحقة وبحث لا أن ننتظر استعمال الخلق لها حتى إذا اهترأت فكرنا أن نخدم الدين بها بينما سوح الكفر تهنأ بأحدث وسائل الخدمة والمواجهة.

وإذا كنا قد تجاوزنا إشكالية الوسائل الدعوية فإن أول بدهية يجب أن تحتل مساحتها اللائقة في عقولنا أن العلوم العصرية بكل أصنافها لها دور فعال في تسخير قوانين الكون لخدمة الإنسان.

وفي الصحاح قال صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله) ، فتأمل قوله: (علمه من علمه وجهله من جهله) وأنه لا يحول بين المكلف وبين الاستفادة مما بثه الله من منافع وطيبات في الكون إلا ببحث المكلف وسعيه في تحصيل ما ينفعه.

وهكذا في مواجهة أهل الإيمان لعروش الكفر، فإنه لن يحول بينهم وبين النصر إلا عجزهم عن السعي الحثيث في بذل المستطاع، وإذا تقرر أن نصر الله يتلو نصر العبد لدينه، فإن تقصير المجاهدين في بذل المستطاع يعد سببا وجيها لتأخر نصر الله.

إن قناعة الدعاة إلى الله بضرورة احتراف الدعوة سبب رئيس من أسباب النصر، فلا تجدي في هذه العصور محاولات الهواة لمزاحمة المحترفين في مجالاتهم. وقد تصاعدت اهتمامات دعاة الكفر بما يدعون إليه حتى إنه في سبيل ذلك سخروا كل العلوم العصرية لخدمة كفرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت