الصفحة 30 من 214

الثالث: أن يعمل بها الجاهل مع سكوت العالم عن الإنكار وهو قادر عليه، فيفهم الجاهل أنها ليست بمخالفة.

الرابع: من باب الذرائع، وهي أن يكون العمل في أصله معروفا إلا أنه يتبدل الاعتقاد فيه مع طول العهد. ثم يقول الشاطبي رحمه الله: إلا أن هذه الأقسام ليست على وزان واحد، ولا يقع اسم البدعة عليها بالتواطؤ بل هي في القرب والبعد على تفاوت. فالأول هو الحقيق باسم البدعة فإنها تؤخذ علة بالنص عليها ويليه القسم الثاني ثم الثالث فالرابع. قال: وأما القسم الثاني والثالث فالمخالفة فيه بالذات والبدعة من خارج، إلا أنها لازمة لها لزوما عاديا، ولزوم الثاني أقوى من لزوم الأول [1] .

وقد ظهر لي في بعض المسائل أنها من البدع التي لا يجوز إقرارها، مثل إمساك ورقة فيها أسماء أشخاص عند ذبح الأضحية وذكر هذه الأسماء عند الذبح، فلما راجعت فيها الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله رد في فتوى مكتوبة لدي أن هذا ليس ببدعة وأنه يشهد له أصل مثل قوله صلى الله عليه وسلم عند ذبح أضحيته: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد) .

فعلمت حينها أن أمر التبديع ينبغي عدم التسرع فيه والهجوم على أحكامه. وقد استبان لنا مما سبق أن الداعية ينبغي أن يتصف بما يلي:

أولا: الإلمام بالقواعد الأصولية التي تحكم مسائل البدعة والتبديع.

ثانيا: أن يأخذ في الاعتبار تفاوت البدعة في مراتبها.

ثالثا: ألا يتسرع في تبديع مسألة إلا بعد البحث التام لجوانبها ومراجعة أهل العلم بها.

رابعا: أن يتسم بالحكمة في التعامل مع المخالف (المبتدع) .

وقد حرصت أن أضع هذه القواعد وأن أحررها مجافيا التحيز لأحد، مفضلا عدم التفصيل وضرب الأمثلة حتى لا يتكئ على هذه التفاصيل متكئ فيحسب نفسه أولى بكلامي من غيره، وكان هدفي (الذي يجب أن يعلم) أن ينضبط الدعاة بالقسطاس المستقيم وألا يشوهوا الدين

(1) راجع آخر الباب السابع من الاعتصام.

ولا ينبغي أن يفهم من كلامنا أو كلام الشاطبي التهوين من أمر البدعة، ولكن لما كان يترتب على فهم مراتب البدعة في الدين عمل مهم كالبراء والإنكار والتعاون مع المخالف في أمور أخرى لزم بيان هذه المراتب وأنه لا يجوز التسوية بين كل أنواع البدع لما يترتب على ذلك من مفاسد دعوية وحركية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت