الصفحة 29 من 214

مما سبق يمكننا تحرير المسألة كالآتي:

(1) إن الوسيلة من جهات الابتداع التي إذا أُحدث فيها كانت البدعة إضافية، وقاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد صحيحة مطردة.

(2) إن قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد إنما هو في الوسائل الشرعية (كالشرط الشرعي والسبب الشرعي) أما الوسائل العقلية والعادية فلا تدخل في تلك القاعدة، بل قد يكون لها حكما مستقلا يخالف حكم مقصدها.

ويمكننا صوغ القاعدة كالآتي: الوسيلة إذا لم يتحقق المقصد إلا بها شرعا فالإحداث فيها ابتداع مذموم، وإذا تحقق المقصد بها أو بغيرها ولم يدل دليل على اعتبارها أو عدم اعتبارها فالإحداث فيها ليس من الابتداع المذموم.

وبهذا تلتقي القاعدتان ولا تتعارضان.

وبذلك نعلم أن الوسائل الدعوية يجب أن تخضع لهذا التقدير العلمي، وألا تكون خاضعة في منهج الدعاة إلى الهوى أو الطبع أو ما استقر في أعرافهم الدعوية، فلا حاكم بينهم إلا شرع الله تبارك وتعالى.

ولكن قد يختلف العلماء في تبديع مسألة، فماذا يكون موقف الداعية من هذه المسألة؟ والجواب أنه لا بد من التفريق بين ما هو بدعة في أصول الدين وفروعه، فالابتداع في أصول الدين دائر بين الفسق والكفر والضلالة المحضة، أما الابتداع في فروع الدين إن كان في أصول المسائل (أي المقاصد) كأصول العبادات مثل الصلاة والذكر ونحو ذلك فهي حرية بوصف الضلال الذي ألصقه الرسول صلى الله عليه وسلم بالبدعة. أما إذا كانت فيما دون ذلك فليس الخطب فيها كغيرها.

وقد قرر الإمام الشاطبي رحمه الله أن أحكام البدع ليست على رتبة واحدة وأن منها البدع المحرمة ومنها البدع المكروهة وأن المحرم منها ينقسم إلى صغير وكبير، وإذا تقرر ذلك كان تصرف الداعية مع تلك المسألة المختلف فيها بحسب مكانتها وجلالة أمرها [1] .

ثم إن البدعة تنشأ على أربعة أوجه - كما قال الشاطبي:

أحدها: وهو أظهر الأقسام أن يخترعها المبتدع.

والثاني: أن يعمل بها العالم على وجه المخالفة فيفهمها الجاهل مشروعة.

(1) راجع الباب السادس من الاعتصام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت