الصفحة 28 من 214

عقل معناه وجرى على ذوق المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية، لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل كالوضوء والصلاة والصيام.

الثاني: أن حاصل المصلحة المرسلة - كما قال الشاطبي - يرجع إلى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين، وأيضا مرجعها إلى حفظ الضروري من باب ما لم يتم الواجب إلا به .. فهي إذا من الوسائل لا من المقاصد .. ثم قال: وأما كونها في الضروري من قبيل الوسائل وما لا يتم الواجب إلا به: إن نُص على اشتراطه فهو شرط شرعي فلا مدخل له في هذا الباب، لأن نص الشارع فيه قد كفانا مئونة النظر فيه.

وإن لم ينص الشارع على اشتراطه فهو إما عقلي أو عادي، فلا يلزم أن يكون شرعيا، كما أنه لا يلزم أن يكون على كيفية معلومة، فإنا لو فرضنا حفظ القرآن والعلم بغير كتب عاديا مطردا لصح ذلك [1] ، وكذلك سائر المصالح الضرورية يصح لنا حفظها، كما أنا لو فرضنا حصول مصلحة الإمامة الكبرى بغير إمام على تقدير عدم النص بها لصح ذلك .. ثم قال: إذا تقررت هذه الشروط [2] علم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة ..

ثم أخذ الشاطبي يفرق بين الاستحسان وبين الابتداع فقال: فإن الاستحسان لا يكون إلا بمستحسن وهو إما العقل أو الشرع. أما الشرع فاستحسانه واستقباحه قد فرغ منهما (يعنى أنهما هما المعتبران دون غيرهما) لأن الأدلة اقتضت ذلك، فلا فائدة لتسميته استحسانا، ولا لوضع ترجمة له زائدة على الكتاب والسنة والإجماع وما ينشأ عنها من القياس والاستدلال فلم يبق إلا العقل هو المستحسن: فإن كان بدليل فلا فائدة لهذه التسمية، لرجوعه إلى الأدلة لا إلى غيرها، وإن كان بغير دليل فذلك هو البدعة التي تستحسن .. ثم ساق كلاما طويلا مفيدا في تعريفات الاستحسان عند العلماء واختار أن الاستحسان المعتبر هو ما استند إلى أصول شرعية وثوابت دينية وأن الحكم بمجرد الهوى وميل الطبع هو عين الابتداع. [3]

(1) مثل حفظ القرآن عن طريق التسجيلات الصوتية، وبالنسبة للأعمى عن طريق كتابة (برايل) البارزة.

(2) يعني ألا ينافي المناسب المقصود أصلا من أصول الشرع، وألا يكون في مجال التعبدات، وأن يرجع إلى حفظ ضروري أو رفع حرج لازم في الدين فيكون من باب ما لا يتم الواجب إلا به.

(3) راجع الباب الثامن من الاعتصام، فإنني اختصرت منه المقصود، وقد ناقش الشاطبي رحمه الله شبهات المتمسكين بالاستحسان والمصلحة المرسلة في باب الابتداع بما يقطع الطريق على المتساهلين في الابتداع وعلى المتوسعين في التبديع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت