الصفحة 27 من 214

ويفهم من نقل الشاطبي رحمه الله لآثار السلف في هذا الباب عدم اختلافهم في ذم البدعة الإضافية أيضا، ولولا الاحتياط في نقل الإجماع لاعتبرته إجماعا عن السلف [1] .

وعلم بالاستقراء أن الأوصاف التي بابتداعها تكون البدعة إضافية هي الأوصاف التي توجد بها العبادة وهي: (1) المقدار (2) الكيف (3) الزمان (4) المكان (5) السبب (الوسيلة) (6) الغاية - أي النية - (7) الجنس (الماهية) .

والمعنى أن هذه الأوصاف متى لم يرد باعتبارها دليل شرعي تكون البدعة العبادة بذلك بدعة إضافية. وما يعنينا في هذا المقام هو الوسيلة، إذ تقرر في علم أصول الفقه أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والمراد دخول الوسائل في إطار شرعية المقاصد، وفرعوا على هذا الأصل: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن ما لا يتم الحرام إلا به فهو حرام.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل هناك تعارض بين هذا الأصل (الوسائل لها أحكام المقاصد) وبين كون الإحداث في وسيلة العبادة يجعل العبادة داخلة في إطار البدعة؟

إن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى تقرير أمرين:

الأول: أن هناك فرق بين البدعة وبين المصلحة المرسلة والاستحسان عند من يقول بهما، يقول الشاطبي رحمه الله: فإن كثيرا من الناس عدوا أكثر المصالح المرسلة بدعا ونسبوها إلى الصحابة والتابعين، وجعلوها حجة فيما ذهبوا إليه من اختراع العبادات .. ثم أخذ الشاطبي رحمه الله يبين أصل المصلحة المرسلة وأن الاعتداد بها يرجع إلى اعتبار المناسب [2] الذي لم يشهد له أصل معين ثم ساق عشرة أمثلة جرت في عهد الصحابة خرجت على جهة المصلحة المرسلة ولم تعتبر من البدع المحدثة ككتابة المصحف وتضمين الصناع ونحو ذلك، وبين أن ضابط المصلحة المرسلة أنها لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله وأن عامة النظر فيها (المصلحة المرسلة) إنما هو فيما

(1) انظر الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي رحمه الله (2/ 367 فما بعدها) .

(2) المراد بالمناسب هنا: الوصف الذي يناط به الحكم، وهو العلة التي يوجد لوجودها الحكم الشرعي وينتفي بانتفائها، وينقسم المناسب إلى ثلاثة أقسام:

(1) ... مناسب مؤثر لظهور تأثيره بما اعتبره الشرع به ويدخل فيه ضمنا الملائم.

(2) ... مناسب غير مؤثر وهو المسمى بالغريب الذي ألغى الشارع اعتباره.

(3) ... مناسب مرسل وهو ما جهل اعتبار الشارع له بأن لم يدل دليل معين على اعتباره أو إلغائه، ويسمى بالاستصلاح وبالمرسل وبالمصالح المرسلة، سمي بالاستصلاح لما فيه من مطلق المصلحة للناس وبالمرسل لإرساله أي لإهماله عما يدل على اعتباره وإلغائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت