هذا المهيع حتى وصل بها التساهل إلى الوقوع في المحرم الصريح بزعم أنه البديل عن جاهليات المجتمع المعاصر، ولمثلهم يقال:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل
وقد تعرضت اهتمامات دعاة الصحوة الإسلامية لاستقطاب حاد حول قضية الوسائل الدعوية، وهل يجب أن تكون توقيفية، أم أنه يجوز اختراعها وابتكارها دون خوف من مذمة الابتداع؟ والحق الذي لا مرية فيه أن هذه المسألة من المسائل التي ينبغي ردها للكتاب والسنة، واستقراء عمل السلف وسبيلهم مع اعتبار كلام الأئمة المعتبرين من أهل السنة والجماعة.
وفي ثنايا البحث لا بد أن نفرق بين ما هو من تخريج المناط وبين ما هو من تحقيقه، فالأول بحث في دلالة الدليل، والثاني بحث في تحقق وقوع الدليل على الفرد الخارجي (أي على المسألة الواقعة بالفعل) .
وكثيرا ما يكثر اللغط في مسألة لعدم التفريق بين هذه الأمرين، فيكون الفريقان كمثل العميان الذين أمسك كل منهم بعضو من الفيل وأخذ يصف ما أمسك به متهما صاحبه بالجهل بما يصف. [1]
فمن المعلوم أن من أهم أمارات البدعة عدم ورد الدليل الشرعي على اعتبار أصلها أو وصفها فيظن المبتدع أنه بنيته الحسنة في اختراعها قد استزاد بابا للخير وانفرد بطريق إلى الله قد هجرها السالكون، فهذه هي البدعة الأصلية، التي لم يعتبرها الشرع بأي وجه من الوجوه. فإذا ما اعتبر الشرع أصلها دون وصفها (كالذكر الجماعي دبر كل صلاة فرض) فهذه البدعة الإضافية وهي التي شهد الدليل على جواز حقيقتها كمطلق الذكر ولكنه لم يشهد على اعتبار وصفها ككون هذا الذكر جماعيا ودبر كل صلاة فرض، فجمهور أهل العلم على أن مذمة الابتداع تلحقها أيضا،
(1) إن البحث حول تخريج المناط وتحقيقه من أهم المسائل التي يجدر بطلبة العلم والدعاة فهمها على الوجه المطلوب، إذ أن فهم هذه المسألة الأصولية كفيل بحل إشكالات كثيرة يحصل بها الاختلاف والتهاجر.
وكثيرا ما نجد بعض الدعاة يتبنى في مسألة (عقدية أو فقهية) رأيا معينا، ويتبنى مخالفه نفس الرأي بيد أنه يرى أن حكم المسألة لا ينطبق على بعض أفرادها (كمثل مسألة كفر الحاكم المبدل لشرع الله) إذ لا يتمارى اثنان أنه كافر كفرا أكبر مخرجا من ملة الإسلام، لكن المخالف في تحقيق المناط (وهو من يرى أن فلانا الحاكم ليس مبدلا) لا يجوز تجهيله أو تضليله أو تبديعه، والعكس صحيح أيضا، لأن كل خلاف سائغ (وهو ما احتمله الدليل الشرعي المعتبر) يمنع الإنكار الجافي، ولكن يستحب النصح الجميل والجدال بالتي هي أحسن.