ومعنى اهتمام الدعاة بهذه الأصول التي ذكرناها (التوحيد، الاتباع، التزكية) أن يكون خطابهم الدعوي ملاحظا لها متبنيا إياها في كل مداولة، معتدا بمضمونها، منافحا عن سمات هذه الأصول ومظاهرها رابطا كل فروع الدين بِآخِيَتِهَا [1] .
وأهداف الحركة الإسلامية ووسائلها يجب أن تتسق مع هذه الأصول الجامعة ولا تصطدم مع ثوابتها، فالتمكين الذي ينشده كل مسلم وعاقبة النصر وظهور الدين وهيمنة أحكامه وتعبيد الخلق لرب الخلق .. كل هذه الأهداف مستقاة من تلك الأصول دائرة في فلكها مهتدية بنورها.
كما ينبغي أن تتبنى الحركات الإسلامية هذه الأصول دستورا عمليا تراقب على ضوئه الخطوط العامة التي ترسمها لكوادرها في أي مشروع إسلامي.
وإذا كان الفقهاء يستخدمون عبارة: (هذا الفرع مخالف للأصول) أي الأدلة والقواعد العامة والنظريات الكلية، فبإمكان الدعاة أن يستخدموها بذات النسق قائلين: هذا التصرف الدعوي مخالف للأصول الدعوية، أي القواعد العامة التي تقوم عليها الدعوة الإسلامية.
فإذا تناصح الدعاة مثلا فما أحراهم أن يجعلوا هذه الأصول مادة نصحهم، فلو انتهج داعية منهجا مبتدعا في الدعوة - كالدعوة إلى الذكر الجماعي - فيذكر بأن هذا المسلك يخالف أصل الاتباع الذي جعلناه خطا أصيلا نتمسك به لضمان نقاوة الخط الدعوي وثبات مصداقيته.
وليس معنى ما سبق أن نجحد إمكان الاختلاف بين صفوف الحركة الإسلامية فيما يسوغ فيه الاختلاف، أو نحلم بواقع دعوي خال من أية اختلافات أو تباينات في الأفكار والرؤى، فذلك فوق كونه غير واقع قدرا فهو غير مأمور شرعا [2] .
بل المأمور شرعا أن يُرد الخلاف إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم؛ قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} ، وأن يبذل كل مجتهد الوسع في البحث عن الحق وسلوك دربه وسبيله؛ قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ، وما عليه من جناح بعد ذلك إن أصاب الحق عند الله أو أخطأه، بل هو في كلتا الحالين مأجور غير مأزور مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) .
(1) الآخِيَّةُ بالمد والتشديد واحدة الأَوَاخِي وهو مثل عروة تشد إليها الدابة وهي أيضا الحرمة والذمة (مختار الصحاح) .
(2) أي أنه لا يوجد في الشرع أمر بضرورة التوحد في الآراء وعدم الاختلاف في الأفكار، إذ هو من المستحيل اعتيادا لتباين العقول وتمايزها، والأمر بالمستحيل لا يقع في الشرع كما تقرر في أصول الدين والفقه.