بالاستراتيجيات الكبرى، مثل أمن الدولة والأمان الاجتماعي والأمن الغذائي، أو ما يسميه الفلاسفة بالثوابت المطلقة أو البدهيات أو المسلمات أو ما يمكن أن نستعير له اصطلاح الفقهاء: الضروريات الأصيلة. وعليه فإن الدعوة تتبنى مثل هذه الخطوط وإن رزقت التمكين، لأنها من أصول الدين وثوابت الشرع المطهر.
وبإزاء هذه الخطوط العريضة يمكننا أن نتصفح الواقع الذي تحياه الأمة الإسلامية بل البشرية على نهج سواء.
فتوحيد الله مختل في القلوب، والإخلاص في التوجه إلى الرب تبارك وتعالى غير متأصل في النفوس كمنهج حياة [1] ، وحاكمية الله مهزوزة في نفوس الكثير من المسلمين أو قل: إنها غير واضحة المعالم، ومرجعية النبي صلى الله عليه وسلم أو الشرع بمجمله أمر محتمل عند طائفة متكاثرة من المثقفين. وغالبية المسلمين لا يقومون بأي مجهود جاد في تطهير نفوسهم وتزكيتها بتطبيق أحكام الشرع المطهر والقيام بما أمر الوحي ونهى، بل يهيمون في أودية الدنيا سعيا وراء المادة والشهوة.
وكل ما نراه من ظواهر أخرى مختلة في المجتمع فما هي إلا نتاج لاختلال تلك الأصول، واهتزاز تلك الثوابت في قلوب الناس أو لنقل: في ضمير المجتمع المسلم.
وبعض هذه الظواهر آخذ بِحُجَزِ بعض، ورابطة العقد إنما هي تلك الأصول والثوابت، فمتى انقطع منها شيء انفرط العقد أيما انفراط.
وعلى أساس هذا التنظير الذي استعرضنا فيه الواقع الإسلامي يجب أن يرتب الدعاة أولويات اهتماماتهم في الخطاب الدعوي العام. أما الخطاب الدعوي الخاص والذي يتضمن الدور التربوي الدقيق الذي يمارسه الدعاة في تهيئة وتنشئة أجناد الحق فله استراتيجية خاصة تناسبه، وسنتحدث عنه بالتفصيل إن شاء الله في الطريقة الحادية والعشرون (العناية بالشباب) .
(1) إن كثيرا من الناس يظن الإخلاص مجرد درجة عالية ومرتبة سامية من مراتب الصلاح والولاية، وأن الإخلاص ليس أصلا من أصول العبادة وركنا من أركانها، فالمرء في مجتمع المسلمين اليوم لا يبالي إن تعلم لأجل دنيا أو توظف في سبيل حياة زوجية سعيدة أو تزوج لأجل وجاهة اجتماعية أو أنجب لأجل عزة يتقوى بها ويستند إليها.
بل قليل ما هم الذي يفتشون في أعمالهم عن خفي الشرك وجليه، وإذا ما صارح نفسه وتبين له بجلاء أن أعماله لم يبتغ بها وجه الله لم يعدم هواه أعذارا جاهزة يقنع بها غروره وغفلته.