الصفحة 18 من 214

وآخرون من ذوي الإِمْلاق لكنهم تَنَشَّأوا على حب هذه الفانية والتعلق بملذاتها وتمني الحصول على كل شهواتها، فإذا ما أَلَمَّتْ بهم مُلِمّة - وإن دَقّت - رأيتَ السَّخَطَ يعلن نفسه بعبارات كفرية جريئة لا يَلْفِظُها إلا من خلا قلبه من الإيمان والرضا بالقضاء والقدر.

إن هذه التركيبة النفسية هي التي تسهّل وجود الخونة بين أفراد الأمة، كما أن هذه التركيبة النفسية كفيلة بأن تجعل صاحبها يتخذُ من الدنيا كعْبةً يستقبلُها، فيتعبّدَ في مِحْراب شهواتها مخْلِصا، لا يخطُر له الدين على بال فضلا عن أن يبذل له أو يجاهد في سبيله.

وكذلك التركيبة الاجتماعية التي وضعت مفاهيم في الرَّفاه ومستوى المعيشة لا يعرفها شرع ولا عرف، فأضحى كل الناس يتسابقون ويتراكضون في حَلْبَة السَّبْق لتحقيق هذا المستوى فإذا ما عَرَضَ لهم من أزمات المسلمين عارض تحجّجوا بأن ضروريات حياتهم لما يسْتكملوها وأن للدين رب يحميه. ولن تَعْدَم أن تسمع أمثالا تُصاغ من قبيل: ما يحتاجه بيتك يكون حراما على المسجد، وجُحَا أَوْلى بِلَحْمِ ثَوْرِه، في خَسَاسَةٍ لا تُعْهَد إلا عند بني إسرائيل.

وحتى نُصلِح هذا العِوَجَ فإننا لا بد أن نمارِس دورا تربويا واسع المدى، على نطاق الأفراد والمجتمعات، لإصلاح هذه التركيبة الخاطئة، ومقاومة زحف الشهوات المهلك الذي هو عَرَضٌ من أعراض حب الدنيا وداء عُضال في نفس الوقت.

ومن أساسيات الدور التربوي الذي يجب أن يمارَس على نطاق الأفراد والجماعات لإصلاح التركيبة النفسية والاجتماعية ما يلي:

(1) تربية النشأ الصغير على مثل التضحية في سبيل الدين والبذل له والجهاد في سبيله: ويكون ذلك بالأساليب الآتية:

-تضمين المناهج العلمية والأدبية هذا المنحى التربوي، سواء على نطاق التعليم الرسمي أو الأهلي.

-وجود جهد أدبي قصصي للأطفال يعالج هذا الجانب في الإصدارات الأدبية.

-تفعيل دور الناشئة عبر تشريكهم في قضايا المسلمين ومطالبتهم بالبذل ولو بالقليل، ومما أبهجني أن أطفال النرويج استطاعوا جمع الملايين من الدولارات لأطفال البوسنة في حَمْلَةِ تبرُّعات مَرْعِيّة من وزارة التعليم أثبتت أن توجيه الناشئة كفيل بزرع نوازع الخير في قلوبهم، وأَدْمَى قلبي أَنْ لم يكن من بين بلاد المسلمين من يوجّه أطفالَنا هذه الوِجْهة، وأنى لهم ذلك والكبار في سُبات؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت