وفي ظني أن العصبية للدين [1] توارت وراء العصبيات الأخرى التي تَرَبَّى عليها المسلمون، كعُبِّيَاتِ الجاهلية الحديثة من قَوْمِيّة وشُعُوبيّة وقُطْرِيّة بل وحِزْبِيّات ضيقة، حتى تضاءلت مساحة الإسلام في بُؤْرة الشعور. وردُّ الفِعْل التَّلْقائي عند أي أزمة تَنْزِل بالإنسان يكون قويا بقدر المساحة التي تحتلها تلك الأزمة من بؤرة شعوره، ولا شك أن مشاعر المسلمين تحتلها أولويات أخرى غير دين الله تعالى، هذا ينبغي ألا نماري فيه - حتى على صعيد الملتزمين والغيورين على الدين - كنقطة انطلاق لعلاج هذا الخلل، أما إذا توارينا زُوْرًَا وراء الادعاءات الكاذبة فإنها لن تخدع رب العباد ولن تغني عن واقع الأمر فتيلا.
وأعياني أن أبحث في علاج هذا الداء العُضال الذي تعانيه الأمة الإسلامية حيث لا أستثني نفسي منه، ولكنني من استقراء كثير من النصوص الشرعية ومن سيرة السلف ومراجعة حال النفس وأحوال كثير ممن حولي وجدت أن أساس تراجع الدين في سلم أولويات المسلمين يرجع إلى مزاحمة الدنيا للدين [2] ، وهو ما يفهم من قوله تعالى: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} في معرض لوم المتأخرين عن الجهاد في سبيل الله. ولعمري إنها آفة الأولين والآخرين، وفي حُبِّها تَجَنْدَلَ الصَّنَاديد صَرْعَى كأنهم أعْجَازُ نخْل خاوية، وما حَذِرَها امرؤٌ إلا كان أولَ فوْز يَحُوزُه تَفَرُّغُ قلبه للاهتمام بما أمره الله به.
والعجيب أيضا أن الخلل في مسألة تفضيل الدنيا على الآخرة لا يرجع إلا عدم فهم النصوص أو عدم الاقتناع بها، ولكنه يرجع إلا التركيبة النفسية والاجتماعية التي ينشأ عليها الإنسان.
ولقد رأيت أفرادا من أُسَرٍ واسعة الثَّراء لكنهم تَرَبَّوْا على يَدِ آباء ذوي حصافة ودراية بمكائد الدنيا، فنشأوا على البساطة وعدم التكلّف، بل إنهم إذا تعرضوا لبلاء من بلاءات الدنيا لم نر لهم جزعا كجزع عبدة الدرهم والدينار.
(1) وهي عصبية مشروعة، ومعناها إنكار أي ولاء مطلق إلا الولاء للدين، ودليله قول الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وقال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} وقال صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يَعْلو ولا يُعْلَى) رواه البخاري تعليقا بصيغة الجزم وقال ابن حَجَر في الفتح (3/ 220) : قوله: وقال: (الإسلام يعلو ولا يعلى) كذا في جميع نسخ البخاري، لم يعين القائل، وكنت أظن أنه معطوف على قول بن عباس فيكون من كلامه ثم لم أجده من كلامه بعد التتبع الكثير، ورأيته موصولا مرفوعا من حديث غيره، أخرجه الدَّارَقُطْنِيُّ ومحمد بن هارون الرُّوْياني في مسنده من حديث عائذ بن عمرو المزني بسند حسن، ورويناه في فوائد أبي يَعْلَى الخَليلي من هذا الوجه وزاد في أوله قصة .. ثم ذكرها. أهـ
(2) ولن ننسى أن نذكر بأثر الصوفية ومناهجهم في تشويه معالم الدين عبر الإرجاء والجبر الذي لزم كل عقائدهم وانسحب إلى منهجهم العملي في الحياة والتعامل مع مجريات الأمور.