الصفحة 16 من 214

إن خدمة الدين ليست قضية أصحاب العمائم واللحى - كما استقر في وجدان البعض خطأً - بل هي قضية كل مسلم ينتمي للإسلام لِمَحْضِ كونه مسلما، وتَرْكِيْبَتَه كمسلم لن تستقيم إلا بتبني هذه القضية بحيث تُضحي حياة المسلم ممزوجة بهذا الهَمّ، إذا سأل عن طعامه وشرابه فلن ينسى أن يسأل نفسه ماذا قدم لدين الله تبارك وتعالى.

وسيبقى المسلمون يعانون ظُلْمَ الغَيْرِ وبَغْيَه ما لم يوجد هذا الحِسُّ في وجدانهم طَبْعًَا، يُستنفر عند كل مُلِمَّة، ويتعاظم عند كل دائرة تدور على المسلمين.

(إن الأمر لم يعد مجرد فساد خلقي وفجور وخمور يمكن أن ينحصر وعظ الواعظين إزاءها - كما يقول الراشد [1] - بل صراع سياسي حزبي منظم لإقامة الدولة الجاهلية، ولقد أقاموها، وصراعهم مستمر لإدامتها، وترسيخها وتربية الأجيال الجديدة على الكفر، وفي هذا ما يوجب على أصحاب الغَيرة الإسلامية والعقيدة الإيمانية في كل مكان أشياء من التعاونِ والانتظامِ والتخطيطِ، وتكميلِ النقص التربوي والتوسّع العددي، في عمليةٍ اسْتِدْراكية، من خلال ممارسة جهادية سياسية غير متهورة، تقام بها دولة إسلامية رجالُها دعاةٌ حركيّون.

وكل مسلم مُطالَب بإِبْدَاء أَثَر في هذا الاستدراك، والمشاركة فيه بنوع من الخير، حَسَبَ استطاعته، ولا معنى لحياة امرئ سلبي يرتع في هذه الدنيا أكلا وشربا وتلذُّذا بالنساء والمفكّرون من حوله لا يحاول أن يبدي موقفه منهم، والسياسيون عن يمينه وشماله بين صالح وطالح يَصْطَرِعون وهو يتفرج.

إن السلبية والانعزالية والتفرج ما هي إلا تعابير مخففة مجازية يأباها الصادقون المحترقون على الأمة بل يعدون ذلك موتا، فالمرء والسيف ما لم يُبْدِيَا أَثَرًَا: حَيٌّ كَمَيِّتٍ، مَسْلُوْلٌ كَمَغْمُود.

وبلغ الرافعي مبلغا أقصى، فرأى وجود السلبي غير مبرَّر، وأَنْذَرَكَ بوجوب الجلاء، وأنك: (إن لم تُزِدْ شيئا على الدنيا كنتَ أنت زائدا على الدنيا) أهـ

أين الخلل؟!

(1) المسار ص18 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت