الصفحة 15 من 214

تبقى الإشكالية التي تحتاج إلى مجهودات ضخمة لعلاجها: وهو كيفية بث هذه العقيدة (أعني عقيدة خدمة الدين) في قلوب كل المسلمين فضلا عن الدعاة والغيورين على دين الله تعالى.

إن مثل هذا الأمر لو حدث فإن الدعوة ستقطع شوطا واسعا في إعلاء كلمة الله تبارك وتعالى، إذ لا يزال من أهم العوائق التي تحول بين الدين وبين انتشاره في قلوب الناس أنهم يظنون الدعوة مهمةَ ذوي العمائم والِّلحى، وأن الواحد ما دام محافظا على شعائر الدين فإنه غيرُ مسئول بعد ذلك عن أية قضية تُلِمُّ بالمسلمين، وقد قرأنا وجهة النظر هذه بقلم كبار الكتاب والصحفيين يستعلنون بين الناس بأن قضية مثل قضية البوسنة لا يجب أن تشغلنا عن مشاكلنا الداخلية، بينما نجد دولا مثل النرويج تعتني بمثل هذه القضية لتأثيرها عليها من ناحية نزوح اللاجئين، فكيف لا تكون هذه القضية ذات أثر علينا نحن المسلمين وهم شركاؤنا في الدين.

لقد رأينا البرتغال تدخل أنفها في قضية تيمور الشرقية (وهو إقليم ذو أكثرية نصرانية في إندونيسيا يطالب بالاستقلال) لا لشيء إلا أن هذا الإقليم إِرْث استعماري يربطه بالدولة الأم آصرة الديانة الكاثوليكية.

إن الاهتمام بقضية الدين وبقضايا المسلمين لا تزال تشكل في مجتمعاتنا الإسلامية حِسَّا ثانويا يتوارى وراء الاهتمامات التافهة لشرائح المجتمع، وكم رأينا أمتنا تَحْشِد شبابها عن بَكْرَةِ أبيهم لتنظيم دورة ألعاب أو استقبال مُطرب عالمي أو تنظيم مهرجان سينمائي أو غنائي، ولكن عندما يُمس جَنَاب الدين فإن الجمل يَسْتَنْوِق، وترى الهِرَّ يحْكي انتفاشا صَوْلةَ الأسد:

فما المعنى بأن نَحْيَا ... فلا نُحْيِي بنا الدينا

وما المعنى بأن نجتَرَّ مجدا ماضيا حينا

وحينا نطلق الآهات ترْويحا وتسْكينا

وقد نسي قِطاع كبير من أولئك الذي يهتمون بشعائر الإسلام الظاهرة (كالصلاة والصيام والحج) أن من أعظم شعائر الدين الاهتمام بأمر المسلمين، حتى توعد الله تبارك وتعالى المتقاعسين عن خدمة الدين بالخزي في الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضرونه شيئا، والله على كل شيء قدير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت