وكما يحكي بعض الدعاة: أن البرامج الإعلامية غدت ذات تناقضات من قبيل المضحك المبكي، فلا غَضَاضَةَ عند القوم أن يكون بعد الحديث الديني فيلم أمريكي داعر، ولا ملامة على مقدمة البرامج المتبرجة أن تُجري حديثا تلفزيونيا مع شيخ مُعَمّم، ثم تستطيع أن تسمع مذهولا عن مسلسلات تسمى دينية يظهر فيها الأئمة عُشّاقا وأصحاب مزاج موسيقي وتذوق عال لجمال النساء والفن!
إن هذه التناقضات المقصودة يراد منها أن يتجرع المسلم دواء يزيل عنه الجانب التطبيقي من تدينه، فيصبح مسلما مصليا صائما حاجا لكنه لا يجد تعارضا بين ذلك وبين موالاة الكافرين ومصاحبة الفاسقين وأكل الربا وغشيان الفجور والتحاكم لغير شرع الله عز وجل [1] ، وأصبح من العادي أن أسمع من كثير من الشباب يلبس ملابس لاتَنُمُّ عن دين وحياء وبجانبه اصْطَفَّ فريق النساء المترجلات أو الرجال المتخنثين يمسك بسيجارة عفراء أو يمضغ علكا بطريقة أنثوية ثم يقول: الحمد لله أنا لا أعمل شيئا يغضب الله!
إن هذا الجيل قد تعرض لحملة من التشويه الإعلامي تضارع في شراستها حملة محاكم التفتيش في العصور الوسطى لإِثْنَاءِ الناس عن الإسلام إلى النصرانية، ولكنها تغلّفت في القرن العشرين بميكيافيلية خبيثة، إذ صار الفجور عَصْرَنَة وتطورا، والالتزام تحجّرا ورجعيّة، وصار حجاب المرأة المسلمة تخلفا والسفور تقدما. والأدهى والأمر أن الإعلام قد علم قوة الدين في قلوب الناس وسرعة استجابتهم لنداء الحق إذا سمعوه، فأطفئوا ذاك النور الباقي، ولقّحوا عقول الناس بمصلٍ يقي من التدين، فما أن يتعرض الواحد منهم إلى شعاع بسيط من نور الحق إلا ويبادره هواه بالردود المعلّبة: الدين يُسْر، وإياك والغلو في الدين، والتطرف عاقبته كذا وكذا .. هذا عدا من جعل بينه وبين التدين ستارا واقيا بزعم أن التدين يقود إلى السجون والمعتقلات.
والأعجب من هذا - إذا لم تتعجب مما مضى - أن كثيرا من الأكاديميات الإسلامية العريقة تمارس ذات الدور الذي تمارسه وسائل الإعلام، بل إنها قد تفوق بما تبثه في قلوب الشبيبة من احتكار المتخصصين في الشرع للدعوة وضرورة أن يحصل على إذن الدعوة من الجهات التي تُخَوِّلُ
(1) ومن مرجئة العصر من يقول: ما دام القلب سليما أبيض لا يُكِنُّ عداوة إلى أحد فليس من بأس إن ترك الصلاة والزكاة والصوم أيضا، فإذا خوصم إلى أدلة الشرع، قال إن هذه الأمور بينه وبين الله فلماذا يدخل الناس فيما لا يعنيهم، وإنك لن تعدم في هذا الزمان من يظن نفسه في مرتبة الصديقين لا لشيء إلا أنه يمسك سبحة يلهو بها، بينما هو من مضمون الإسلام فارغ، فإلى الله المشتكى من غربة الزمان.