الصفحة 11 من 214

، ففتش عنهم في مَظَانّ وجودهم ودعاهم إلى طاعة الله وألّف بينهم وأقاموا مسجدا كان فيما بعد منطلقا للدعوة إلى لله في تلك البلدة .. ثم ينقل عن الأستاذ الراشد قوله: وقد كنت في الأيام الخوالي ألاطف إخواني فأفتّش عن أحذيتهم، ليس على نظافتها وصَبْغها ورَوْنَقِها كالتفتيش العسكري، بل على استهلاكها وتقطّعها والغبار الذي عليها، وأقلّبها فأرى النَّعْل، فمن كان أسفل حذائه مُتَهَرِّئا تالفا فهو الناجح، وأقول له: شاهدُك معك، حذاؤك يشهد لك أنك تعمل وتغدو في مصالح الدعوة وتروح، وتطبق قاعدة: {وجاء من أقصى المدينة رجل يَسْعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين} ، وبكثرة حركتك تلف حذاؤك فأنت المجتاز المرضي عندي. قال صباح (من تلاميذ الأستاذ) : قد - والله - بعد عشرين سنة يأخذني تأنيب الضمير كلما رأيت حذائي لا غبار عليه وأتذكر ذاك التفتيش.) [1] أهـ

وإذا تأملنا بعض النصوص الشرعية التي عالجت الوضع الاجتماعي المسلم نجد أنها تركز على الإصلاح كجانب أساس في قيام الدين، وكما أنه لا إِصلاح بدون صلاح فلا صلاح بدون إِصلاح، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} ويقول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) رواه مسلم.

فتأمّل - يرعاك الله - كيف أن خيريّة الأمة مبنية على القيام بواجب الإصلاح وأن الدين مشتمل على أُسُسٍ من أهمها النصيحة، وعلى هذا بايع النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعضُ الصحابة: أن ينصح لكل مسلم [2] .

وقد قرَّرَ علماء الأصول أن الحكمة التي لأجلها شرع الله الأحكام منها ما هو ضروري ومنها ما هو حَاجِيٌّ ومنها ما هو تَحْسِيْنِي [3] ، فأما الضروري فهو أصول المصالح التي لا تقوم الحياة إلا بها، ولو تُصُوِّر زوالها لأدى إلى فَوات حياة الناس ويصبح عيشهم تَهَارُجا وفوضى.

(1) السابق ص (281) فما بعدها.

(2) عن جرير بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم. رواه البخاري في صحيحه.

(3) أما الحاجي فهو من مهمات المصالح التي لو تُصُوِّر زوالُها لكانت معيشة الخلق قائمة على مشقة غير محتملة، ولكنها لا تؤدي إلى فوت تلك الحياة وزوالها بالكلية.

وأما التحسيني فهو من مُلَح المصالح بحيث لو تُصُوِّر زوالها لما حصل فوات الحياة ولا حصول المشقة الشديدة، وإنما هي من قبيل الزينة التي توفر حياة رغدة هنيئة سوية. (راجع كتاب الموافقات للشاطبي رحمه الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت