صح الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول:"يا عبادي أنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم" [1]
من طبيعتنا الذنب، ولكن منا من يتوب وينيب ويستغفر مولاه، ومنا من يصر، ويستمر ويكابر، وهذا هو المغبون المخذول عن طريق الهداية.
أتوب إليك يا رحمن مما ... جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
وأشكو يا إلهي من معاص ... أصابتني وآذتني عيوب
صح في الحديث القدسي أن الله يقول:"يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي" [2]
يا صائمون هذا الشهر فرصتنا للتوبة النصوح، وهذه الأيام غنيمة لنا، فهل نبادر الغنيمة والفرصة؟
وبادر بالتوبة النصوح ... قبل احتضار وانتزاع الروح
لا تحتقر شيئا من المآثم ... وإنما الأعمال بالخواتم
صام معنا قوم العام الماضي ثم ردوا لمولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين، مضوا بأعمالهم وتركوا آثارهم.
فيا ليت شعري ما نقول وما الذي ... نجيب به والأمر إذ ذاك أصعب
إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا ... وفي كل يوم واعظ الموت يندب
ومن علامات قبول الصائمين الصدق في التوبة، والعزم على عدم العودة، والندم على ما فرط العبد في جنب الله عز وجل.
يقول سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (الشورى:25) وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" [3]
متى يتوب من لم يتب في رمضان؟ ومتى يعود إلى الله من لم يعد في رمضان؟
إن بعض الصائمين يستقيم حاله ويصلح باله في رمضان، فإذا انتهى الشهر وانصرم الصيام، عاد إلى حالته القديمة وسيرته الأولى فأفسد ما أصلح في رمضان، ونقض ما أبرم في رمضان، فهو عمره في هدم وبناء ونقض وإبرام. قال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} (النحل:92)
كان كثير من السلف إذا انتهى شهر الصيام بكوا لفراقه، وتأسفوا على رحيله وندموا على انتقاله، وذلك لكثرة صلاحهم وصفاء قلوبهم وإشراق نفوسهم.
اللهم وفقنا لما وفقت إليه عبادك الصالحين، واهدنا صراطك المستقيم.
الإيمان يزداد في رمضان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين وبعد.
فالإيمان يزيد وينقص بحسب الأعمال، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يزيد بالصلاة، وينقص بالفساد، يزيد بالاستقامة، وينقص بالانحراف، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} (محمد:17) وقال عز من قائل {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} (الفتح: من الآية4)
وفي رمضان يزداد الإيمان ويشرق التوحيد لقرب العبد من ربه تبارك وتعالى.
فالصيام من أعظم الأعمال وهو قربة إلى الله عز وجل وصلة عظيمة يباعد بين العبد وبين النار ويفرق بين المسلم والمعاصي.
وقيام رمضان أنس ومحبة وطاعة وشوق يطرد النفاق عن العبد، ويسقي شجرة الإيمان، حتى تستوي على سوقها وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وإليكم أيها الصائمون تلك الأعمال التي تزيد في إيمانكم وتنمي يقينكم. الصلاة في جماعة بخشوع وخضوع وتأمل وحضور {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (النساء: من الآية103) والصلاة في جماعة مذهبة للنفاق ومورثة للخشية وناهية عن الفحشاء والمنكر.
قال تعالى {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (العنكبوت: من الآية45)
قراءة القرآن بتدبر، وتأمل آياته، العيش في ظلاله، استنشاق نسماته، الاهتداء بهديه {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (صّ:29)
ذكر الله عز وجل بالقلب واللسان والجوارح اللهج بالتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} (البقرة:152) مناجاة الله عز وجل في الأسحار، الإكثار من الاستغفار.
طلب العلم النافع، والتفقه في الدين {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه: من الآية114) وسؤال أهل العلم
قال تعالى {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النحل: من الآية43) وحضور مجالس الذكر"هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" [4]
طلب العلم زيادة في الإيمان وتثبيت لأصل التوحيد {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} . (محمد: من الآية19) بدأ هنا بالعلم قبل القول والعمل.
مما يزيد الإيمان الصدقة، البذل والعطاء، وقد تقدمت في درس مستقل ولكن الشاهد هنا أنها ترفع من إيمان العبد وتزكيه، وتهذب سلوكه وتقوم اعوجاجه.
(1) رواه مسلم
(2) رواه الترمذي
(3) رواه مسلم
(4) رواه البخاري ومسلم وأحمد.