السبب الأول: أنه مخالف للحديث المتفق على صحته, وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» , ويستحيل أن يخالف عمر الحديث [1] .
أجيب عن هذا السبب: بأن هذا الحديث ربما لم يبلغ عمر - رضي الله عنه - ولعله بلغه, وتأوله، وهو أنه يرد به الإمامة العظمى, وبذلك يكون خارجًا عن محل النزاع [2] .
السبب الثاني: أن فكرة الحجاب في الإسلام، هي في الأصل فكرة عمر - رضي الله عنه -؛ حيث أشار بها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة لنسائه، فنزل الوحي من السماء، بموافقة رأيه فيها, وصارت تشريعًا للأمة, فيستحيل بعد ذلك أن ينقض هذه الفكرة بتولية امرأة على السوق؛ لتظل طوال اليوم تخالط الرجال [3] .
أجيب عن هذا: بأن هذا الاعتراض لا وجه له، فعسى أن المرأة التي ولاها كانت متقدمة في السن, والمواهب أيضًا، فهي بسنها مصونة, وبمواهبها أهل؛ لأن ينتفع بها، أليس ذلك أقدر بأن يؤكد, ويقرر ما كانت تفعله أم شريك على عهده - صلى الله عليه وسلم - إذا كان كثير من الصحابة يسمرون عندها ليلًا، وكانت ذات شأن، حتى قال فيها - صلى الله عليه وسلم - غير مستنكر: «تلك المرأة يغشاها أصحابي» [4] , ولم تزل مرضية السيرة, والسريرة لدى الجميع [5] .
كما روي أن سمراء بنت هيك الأسدية قد أدركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف, وتنهى عن المنكر, وتضرب الناس على ذلك بسوط معها [6] .
وعلى ذلك, فإن تعيين عمر - رضي الله عنه - أم الشفاء على السوق لا يعد مناقضة لفكرة الحجاب التي أشار بها [7] .
ونوقش قياس ولاية المرأة القضاء على جواز عملها مفتية بأنه قياس مع الفارق؛ لأن هناك فرقًا بين الإفتاء والقضاء، فالإفتاء ليس من باب الولايات، فهو إخبار عن حكم شرعي لا إلزام فيه، أما القضاء فهو إخبار مع إلزام، وهو من باب الولايات، فليس هناك جامع معتبر بينهما حتى يصح الإلحاق والقياس [8] .
أجيب عن هذا: بأن الفتيا تكون ملزمة أيضًا, وذلك حين لا يوجد إلا واحد صالح للافتاء، ولم يستثنوا هذه الحالة من أهلية المرأة للإفتاء مع أنه إذ ذاك ولاية [9] .
(1) الضوء الآلاء: ص: 51، نظام القضاء في الإسلام: ص: 33.
(2) محاضرات في الفقه المقارن: ص: 103.
(3) نظام القضاء في الإسلام: المرصفاوي ص: 33، الضوء الآلاء: ص: 52.
(4) يغشاها أصحابي, أي: يلمون بها, ويردون عليها, ويزورونها لصلاحها, وكانت كثيرة المعروف, والنفقة في سبيل الله, والتضييف للغرباء من المهاجرين وغيرهم. شرح الزرقاني على موطأ مالك 3/ 208.
(5) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطلاق، باب في نفقة المطلقة 3/ 208، مع شرح الزرقاني.
(6) الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لابن عبد البر 4/ 328.
(7) محاضرات في الفقه المقارن: ص: 104.
(8) نظام القضاء في الإسلام: المرصفاوي ص: 33.
(9) القضاء في الإسلام: الشيخ إبراهيم عبد الحميد ص: 37.