ألم ينزل الله ـ تعالى ـ عقب غزوة أحد آيات يعاتب فيها أصحاب رسوله أفضل أجيال البشر على ما بدر منهم من عصيان أمره، وترك مواقعهم, والنزول لجمع الغنائم ... مما كان له عواقبه ما كان؟ يقول -عزّ وجلّ-: (قَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ) [1] قال ابن مسعود - رضي الله عنه-: ما كنت أعلم أن فينا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية.
هل يمكن أن يؤخذ من مثل هذه المواقف التي يضعف فيها الرجال الأخيار, وتغلب فيها أهوائهم عقولهم: أن الرجال لا يصلحون للمهمات الكبار؟ [2] .
مناقشة أدلة القول الثاني:
نوقشت الأقيسة التي ذهب إليها ابن حزم, ومن وافقه بما يلي:
1 -الاستدلال بحديث: «كلكم راع, وكلكم مسئول عن رعيته» , وبالأخص قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «والمرأة راعية, ومسئولة عن رعيتها» على أنها صالحة لجميع أنواع الولايات بأن الحديث لم يثبت للمرأة إلا رعاية بيت زوجها, وهي ولاية خاصة، والقضاء ولاية عامة تشمل الولاية على المال, والولاية على النفس, فلا تقاس هذه على تلك [3] , وقد أجيب عن ذلك بأن المدار قائم على القدرة, وتحمل المسئولية في كل شيء بحسبه, وهي بهذا المعنى صالحة للعلة في هذا القياس دون الفرق, وهو صلاحيتها للولاية, وقدرتها على تحمل المسئولية دون نظر إلى عموم الولاية أو خصوصها [4] .
2 -أما قياس القضاء على صلاحيتها لمنصب الحسبة على السوق حسب النص الوارد عن عمر - رضي الله عنه - في هذا الشأن, فقد نوقش الاستدلال بهذا القياس من وجوه:
الأول: أن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الحسبة تختلف عن القضاء في أمور كثيرة منها: أن الحسبة مقصورة على الحقوق المعترف بها، فأما ما يدخله التجاحد والتناكر, فلا يجوز له النظر فيها؛ لأن الحاكم فيها يحتاج في تحقيقها, وتقرير العدالة فيها إلى سماع بينة أو إحلاف يمين, ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات الحق, ولا أن يحلف يمينا على نفي حق, فإن القضاء أحق بسماع البينة, وتحليف الخصم، والحسبة فصل في مسائل لا تحتمل ذلك كله، فالمحتسب ليس له الحق في النظر إلا في النزاع بشأن الحقوق المعترف بوجودها من الطرفين كما أن له الحق في النظر في النزاع حتى ولو كان أحد الطرفين ينكر وجود هذا النزاع.
إن المحتسب ينظر فيما يدخل في اختصاصه من أمر بالمعروف, ونهي عن المنكر من لقاء نفسه, فلا يتوقف أداءه لها على طلب أو شكوى أو دعوى من المدعي بعكس القاضي, فإنه ليس له أن يعترض لذلك إلا بحضور
(1) سورة آل عمران: 152.
(2) فتاوى معاصرة 2/ 376.
(3) محاضرات في الفقه المقارن: ص: 101، 102.
(4) المرجع السابق.