ومن هنا نقول: إن المسلمة الملتزمة إذا كانت قاضية أو وزيرة أو ناخبة أو مرشحة أو غير ذلك من الأعمال المشروعة يجب أن تتحفظ في ملاقاتها للرجل من كل ما يخالف أحكام الإسلام، من الخضوع بالقول، أو التبرج في الملبس، أو الخلوة بغير محرم، أو الاختلاط بغير قيود، وهو أمر مفروغ منه من قبل المسلمات الملتزمات [1] .
أما ما قيل إن القضاء يحتاج إلى كمال الرأي, وتمام العقل، وهذا غير محقق في المرأة على سبيل الكمال؛ لانسياقها وراء عاطفتها التي طبعت عليها, ولتأثير العوامل الطبيعية التي تعتريها على مر الشهور والسنين, فتمنع من تكوين الرأي الكامل لديها.
أجيب عن هذا من وجهين:
الأول: بأن نقصان المرأة عن الرجل لم يصل إلى حد تبرير سلب ولايتها، بدليل أنها تصلح شاهدة وناظرة على الأوقاف، ووصية على اليتامى, وما دام لها أهلية الولاية، فيجوز تقليدها القضاء، والمنع من توليتها الإمامة العظمى لا يلزم منه المنع من توليتها القضاء؛ لأن الإمامة العظمى فيها من المهام ما يزيد شأنه على القضاء.
رد هذا: بأن أحد لم يقل بسلب ولايتها في الولايات الخاصة, وإنما النزاع في توليتها الولايات العامة للدولة، واضح أنه لا يلزم من صلاحيتها للولايات الخاصة صلاحيتها للولايات العامة، كما لا فرق بين الإمامة العظمى, والقضاء في مناط الحكم, وهو الأنوثة؛ لأنه واحد فيها [2] .
أجيب: أن ما قيل من أن المرأة لا تصلح لمنصب الإمامة العظمى بالإجماع لمكان أنوثتها, فكذلك لا تصلح لمنصب القضاء للعلة نفسها يجاب عليه بأن الأنوثة تصلح علة للحكم في جانب لا يتوفر في المرأة، أما الأنوثة في جانب المقيس، ولاية القضاء، فلا تصلح علة بل هو وصف طردي لا تأثير له، إذ قد ثبت بالإجماع عدم تأثيرها في الولاية الخاصة, فكذا في القضاء؛ لأن المناط على الولاية دون النظر إلى عموم الولاية أو خصوصها [3] .
أما ما قيل: إن المرأة يعتريها الضعف البشري, وهو بلا شك يؤثر في قوة تركيزها, وبالتالي يكون مؤثرًا خطرًا على إصدارها للأحكام, فنقول: إن الضعف البشري يعتري الرجال والنساء جميعًا, والعبرة بالعاقبة، ألم يقل الله ـ تعالى ـ في شأن الصحابة مخاطبًا الرسول الكريم: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [4] .
(1) فتاوى معاصرة: د. يوسف القرضاوي 2/ 375، نظام الإسلام: سميح عاطف الزين ص 603، محاضرات في الفقه المقارن: ص: 99:100.
(2) نظام القضاء في الإسلام: المرصفاوي ص: 31.
(3) القضاء في الإسلام: إبراهيم عبد الحميد ص: 34.
(4) سورة الجمعة: 11.