فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 43

مقصد القتال، فإنه كان عن اجتهاد منها, وكانت مخطئة فيه، وقد اعترفت بخطئها, وندمت على خروجها عندما تذكر ما أنبأ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فمن طريق قيس بن أبي حازم أن عائشة - رضي الله عنها - لما نزلت ببعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب, فقالت: أي ماء هذا؟ فقالوا: الحوأب, فقالت: ما أظنني إلا راجعة, فقال لها بعض من كان معها: بل تقدمين؛ ليراك المسلمون, فيصلح الله ذات بينهم, فقالت: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لنا ذات يوم: «كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب» [1] .

وقد أجيب عن ذلك: بأن هذا يدل على إباحة ما فعلت, فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أخبرها بالمستقبل, وبعدم نجاحها فيما تقدم عليه, ولم ينهها عن ذلك، ولو كان غير جائز؛ لقال لها: «لا تفعلين, فإن ذلك ممنوع عليك أو أنك إذا فعلت, فإنك آثمة» [2] .

ثالثًا: إن ما صدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- من إجازته لإجارة أم هانئ - رضي الله عنها - صدر بمقتدى إمامته للمسلمين، ولا يعد تشريعًا عامًا ملزمًا لكل زمان ومكان، وليس للإجارة (الأمان) من الولايات العامة.

وقد أجيب عن ذلك: بأن إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لحق المرأة في الأمان, وإنفاذه منها دليل واضح على إباحة مباشرة المرأة الأمور العامة, وجواز ممارستها ما يتعلق بالنظام العام للجماعة الإسلامية [3] .

وأخيرًا أقول: سواء أكانت هناك نماذج لولاية المرأة في عصر الخلفاء أم لا, فإن هذا لا يقدح في أهلية المرأة للولايات العامة؛ إذ إنه في ظل ما سبق تحليله من آيات قرآنية, وأحاديث نبوية، فإن عدم اشتراك المرأة في الشئون الإدارية في الدولة مرده إلى طبيعة الحياة الاجتماعية في صدر الإسلام, وليس من شأنه أن يعطل الأحكام الشرعية؛ لأن الكتاب والسنة الثابتة هما مصدر التشريع والأحكام [4] .

ويدل على طبيعة هذه الحياة الاجتماعية ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: كنا لا نعد النساء شيئًا, فلما جاء الإسلام, وذكرهن الله رأينا لهن بذلك حقًا من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا [5] .

فلما لم يكن من الممكن نقل مثل هذا المجتمع من عدم اعتبار النساء بالمرة إلى توليتهن، وهو ما راعاه التشريع, والتزمه الرسول في الأمور الخاصة بالعرف الاجتماعي ما لم يكن ماسًا بالعقيدة.

(1) فتح الباري: 3/ 42.

(2) المرأة بين الشرع والقانون: محمد المهدي الحجوزي ص 82.

(3) نظرية المساواة في الشريعة الإسلامية: د. رشاد خليل ص 592.

(4) الدستور القرآني في شئون الحياة: محمد عزة دروزة ص 82.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب اللباس، باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتجوز من اللباس والبسط 10، ص: 314، حديث رقم 5843.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت