يروى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صعد منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «يا أيها الناس ما أكثركم في صداق النساء، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه, والمهور فيما بينهم قليلة، ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش, فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؛ حيث أعطانا بالقنطار في قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [1] , فقال عمر: اللهم غفرانا أكل الناس أفقه من عمر؟ ثم رجع, فصعد المنبر, فقال: كنت نهيتكم ألا تزيدوا في المهور على أربعمائة درهم، من شاء, فليفعل [2] , ويستفاد من هذا أن المرأة كما أن لها قدرة على الحوار في الولايات الخاصة, فلها القدرة أيضًا على المحاورة في الولايات العامة.
قال الدكتور يوسف القرضاوي: «المرأة التي ردت على عمر - رضي الله عنه - في المسجد، كان ردها متصلًا بأمر تشريعي يتعلق بالأسرة، وهو تحديد المهور بحد أقصى، وكانت مناقشة المرأة سبب في عدول عمر عن إصدار قانون لتحديد الصداق» .
وهناك قوانين أو قرارات أصدرها عمر - رضي الله عنه - كان للمرأة في إصدارها مثل قانون عدم تغيب الزوج في الجيش عن زوجته أكثر من ستة أشهر، فقد سأل ابنته حفصة: ما أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ , فقالت: أربعة أشهر أو ستة أشهر، وكان قد أفزعه شعر تلك المرأة التي أرقتها الوحدة، وأقلقتها الوحشة، فأنشدت, وهي نائمة على سريرها:
تطاول هذا الليل وأسود جانبه ... وأرقني ألا حبيب ألاعبه
فو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لحرك من هذا السرير جوانبه [3]
وكذلك قانونه الذي فرض به عطاء لكل مولود في الإسلام بعد أن كان لا يفرض إلا لمن فطمته أمه، فكانت الأمهات يعجلن بفطام أطفالهن قبل الأوان، رغبة في العطاء، فلما سمع يومًا بكاء طفل متواصلًا شديدًا، وسأل أمه عن سر هذا البكاء، فقالت له, وهي لا تعرفه: إن أمير المؤمنين لا يفرض العطاء إلا للفطيم؛ لذا فطمته مبكرًا, فهو يبكي, فقال عمر: ويح عمر، كم قتل من أطفال المسلمين! وأعلن بعدها تعميم العطاء لكل مولود [4] .
وأيضًا ولي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الشفاء بنت عبد الله ولاية الحسبة في السوق, وهي وظيفة عامة تمنع بمقتضاها الغش, والتدليس, والاحتكار, والربا [5] .
وكان الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يستشير زوجته نائلة بنت الفرافصة فيما يتعلق بشئون الحكم, ولم يعترض عليها أو يعرض عنها، بل كثيرًا ما كان يجنح إلى رأيها, ويعمل بمشورتها؛ لأن الصواب يؤيده، ومن ذلك أنها سمعت مروان بن الحكم يشير عليه برأي غير سديد, فتعارض, وتشير بغيره, فيقول لها مروان: اسكتي أنتي لا شأن لك، فيقول: عثمان - رضي الله عنه - دعها, فإنها أنصح لي منك [6] .
وأؤتمنت المرأة وحدها على أقدس المقدسات الإسلامية, وهو القرآن الحكيم؛ حيث وضعت النسخة الوحيدة من القرآن الكريم عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر - رضي الله عنها - وبقيت عندها بعد وفاة أبيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب [7] .
هذه بعض الوقائع التاريخية التي تثبت مشاركة المرأة في شؤون الولايات العامة.
ولقد ناقشت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف هذه الوقائع مبينة أنها لا تصلح دليلًا على جواز تولي المرأة القضاء، واكتفى بذكر مناقشة بعض ما ورد من هذه الوقائع منعًا من الإطالة والإسهاب:
أولًا: إن مبايعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للنساء التي وضع القرآن الكريم شروطها لا دليل فيها على جواز تولية المرأة القضاء؛ لأنها ليست إلا عهدًا من الله ورسوله, وقد أخذ على النساء عدم مخالفة أحكام الله, وتجنب الموبقات المهلكات التي فشت في العرب قبل الإسلام، وعلى هذا, فلا تصلح دليلًا على مباشر المرأة الولايات العامة، بل إن هذه المبايعة تدل على التفرقة في الأعمال بين ما ينبغي أن يكون للنساء, وما ينبغي أن يكون للرجال، ذلك أن مبايعة النساء كانت عقبة مبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مبايعة الرجال أولًا على الإسلام, والجهاد, وعلى ألا يفروا من الموت, وهو الأمر الذي يليق بهم, وينتظر منهم, ولله الحكمة البالغة, (ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) [8] .
وقد أجيب عن ذلك: بأن مبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء كانت مبايعة مستقلة عن الرجل؛ لأن الإسلام يعتبرهن مسئولات عن أنفسهن مسئولية خاصة مستقلة عن مسئولية الرجل، فالمرأة السيئة لا ينفعها صلاح الرجل وتقواه، والمرأة الصالحة لا يؤثر فيها فساد الرجل وطغيانه [9] .
ثانيًا: إن القول بأن السيدة عائشة - رضي الله عنها - قد خرجت تطلب إقامة الحد على البغاء اللذين قتلوا الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، إنما كان ذلك بسبب سخطها كغيرها من أهل عثمان - رضي الله عنه - وأشياعهم على خطة التريث, وعدم المبادرة بالبحث قبل كل شيء عن قتلة عثمان - رضي الله عنه - والاقتصاص منهم، وهذا أمر ليس من الولايات العامة في شيء، ولو سلم جدلًا أن خروجها كان
(1) سورة النساء: 20.
(2) أحكام القرآن: للقرطبي 5/ 99.
(3) فتاوى معاصرة: 2/ 381.
(4) المرجع السابق 2/ 382.
(5) سبق تخريجه ص 605.
(6) تاريخ الطبري 3/ 389.
(7) محاضرات في الفقه المقارن: ص 96، 97.
(8) فتوى لجنة الفتوى بالأزهر الشريف سنة 1317هـ - 1952، ص 12، 13.
(9) القرآن والمرأة لفضيلة الشيخ محمود شلتوت ص 7، 8.