والأصل في أمور العادات والمعاملات الإباحة إلا ما جاء في منعه نص صريح صحيح [1] عن أبي نوفل قال: دخل الحجاج بن يوسف الثقفي بعد مقتل عبد الله بن الزبير على أسماء بنت أبي بكر, فقال: كيف صنعت بعدوا الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه, وأفسد عليك آخرتك, أما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا أن في ثقيف كذَّابًا, ومبيرًا, أي: المهلك, وتشير إلى كثرة قتله, فأما الكذاب, فرأيناه, وأما المبير, فلا أفالك إلا إياه، قال: فقام, ولم يراجعها [2] .
يتضح من هذا الحديث أن المرأة لها قدرة على إنكار المنكر حتى, ولو كان على الحاكم الظالم.
7 -إن للمرأة قدرة على الحوار, والجدل, ورأيا, وقولًا سمعه الله - سبحانه وتعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) [3] .
ويروى في سبب نزول هذه الآية, وما بعدها أن أوس بن الصامت قال لزوجته خولة بنت ثعلبة: أنت علي كظهر أمي، يحرمها على نفسه, فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن زوجي تزوجني, وأنا شابة غنية ذات أهل ومال حتى إذا أكل مالي, وأفنى شبابي, وتفرق أهلي, وكبرت سني، ظاهر مني, وقد ندم, فهل من شيء يجمعني وإياه؟ , فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «حرمت عليهم» , فقالت: يا رسول الله: والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق, وأنه أبو ولدي, وأحب الناس إلي, فقال لها الرسول - صلى الله عليه وسلم: «حرمت عليهم» , فقالت: أشكو إلى الله فاقتى, ووحدتي, وشدة حالي، وإن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا, وإن ضممتهم إلي جاعوا, وجعلت ترفع رأسها إلى السماء, وتقول: اللهم أشكو إليك, فأنزل على لسان نبيك فرج, فأنزل الله هذه الآية [4] .
وقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مر بها في زمن خلافته, وهو راكب, والناس حوله, فاستوقفته طويلًا, ووعظته, وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا ثم قيل لك: يا أمير المؤمنين، فاتق الله, فإنه من أيقن بالموت خاف الموت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب, وعمر واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الموقف؟ فقال: والله لو حبستني أول النهار إلى آخره، ما تركتها إلا للصلاة المكتوبة أتدرون من هذه العجوز؟ هي: خولة بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع الله قولها، ولا يسمعها عمر؟ [5] .
8 -وشاركت المرأة بمقدار ما تزودت به من علم ومعرفة في الحياة العامة, ومسئولياتها في عهد الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ومن تبعهم بإحسان من غير اختلاط مريب, ولا تبرج فاضح.
(1) فتاوى معاصرة: 2/ 278.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب: ذكر كذاب ثقيف ومبيرها 7/ 190 بشرح النووي طبعة استانبول، والمقصود بالكذاب في هذا الحديث هو: المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي تتنبأ, وحورب هو وأتباعه حتى قتل.
(3) سورة المجادلة: 1،2،3.
(4) أحكام القرآن: لابن العربي 4/ 1747، 1748، تفسير ابن كثير: 4/ 318، 319، أحكام القرآن: للقرطبي 17/ 270.
(5) المرجع السابق لابن العربي وابن كثير، محاضرات في الفقه المقارن: ص 94، 95.