الإجماع ظنيًّا [1] , وحتى لو قبل ثبوت الإجماع جدلًا, فإنه من اللازم النظر في مدى انبناء الإجماع على التعبد أو على المصلحة، ذلك أن التعبد لا خير فيه, واعتبار المصلحة فيه الخيرة، وما فيه الخيرة يصح تخلفه عقلًا [2] .
فالإجماع الذي لا تجوز مخالفته هو الإجماع المتحقق الثابت منقولًا من طريق صحيح على حكم لا تتغير مصلحته على مدى الأيام [3] .
أما ما يقال: أن السوابق التاريخية في العصور الإسلامية لم تعرف دخول المرأة في السلك القضائي، فهذا ليس بدليل شرعي على المنع، فهذا مما يدخل في تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال [4] ، وأيضًا لارتباطه بالسياق الاجتماعي الذي توجد فيه المرأة, فترتبط مشاركة المرأة في العمل السياسي بوجه عام, والقضائي بوجه خاص، والتي تحدد بأهليتها, ودرجة وعيها بالسياق الاجتماعي الذي توجد فيه؛ إذ تحكم حركتها في أغلب المجتمعات تقاليد وأعراف قد تشجع نشاطها السياسي أو تعوقه، وقد راعى التشريع الإسلامي مسألة العرف الاجتماعي تقاليد وأعراف قد تشجع نشاطها السياسي أو تعوقه، وقد راعى التشريع الإسلامي مسألة العرف الاجتماعي, ولم يقم منهجه على الاصطدام بل تطويعه, وتغييره على مدًى زمني مناسب ما لم يكن مناقضًا لأصل من أصول العقيدة، وهو ما جعل العرب عند الأصوليين أحد الأدلة الشرعية، إذا اعتبروه دليلًا من الأدلة التي يرد لها الحكم الشرعي مشترطين في ذلك ألا يكون مخالفًا للنص, وأن يكون غالبًا مطردًا [5] .
بيد أن الأحكام المبنية على العرف والعادة تتغير إذا تغيرت العادة، وقد كان هذا هو مقصود الفقهاء حين قالوا: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان، وهو ما ينطبق على الأحكام المبنية على العرف لا الأحكام القطعية التي جاء بها الشرع، مع ملاحظة أن هذا التغير لا يعد نسخًا للشريعة؛ لأن الحكم باق, وإذا لم تتوافر له شروط التطبيق يطبق غيره، فالعوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها [6] .
الثاني: ولو سلمنا جدلًا بصحة هذا الإجماع المدعي، فإنه لا يعد دليلًا على منع المرأة من مباشرة الولايات العامة، لورود ما يفيد مشاركة المرأة في شؤون الولايات العامة, دليل ذلك ما يلي:
1 -قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [7] .
(1) يقول ابن رشد: فإن قال في الشرع أشياء قد أجمع على حملها على ظواهرها, وأشياء على تأويلها, وأشياء اختلفوا فيها, فهل يجوز أن يؤدي البرهان إلى التأويل ما أجمعوا على ظاهره أو ظاهر ما أجمعوا على تأويله، فلنا أما لو ثبت الإجماع بطريق يقيني لم يصح, وإن كان الإجماع فيه ظنيًّا, فقد يصح فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال، محمد بن رشد للشاطبي ص: 17، 18.
(2) الموافقات: للشاطبي 2/ 216، 221.
(3) حول تعارض المصلحة مع الإجماع: راجع تعليل الأحكام، محمد مصطفى شلبي ص 323.
(4) فتاوى معاصرة: 2/ 379.
(5) الموافقات للشاطبي 2/ 197، 200، 208، 209.
(6) الوجيز في أصول الفقه: عبد الكريم زيدان ص 254، 257.
(7) سورة التوبة: 71.