أجيب: ومع تقديرنا للأستاذ الدكتور عبد الحميد متولي الذي قام بمناقشة الحديث السابق إلا أنني لا أتفق معه في الطعن في هذا الحديث, ومهاجمته بالرغم من الحجج, والشواهد التاريخية التي ساقها في الاستدلال على عدم صحة حديث: «النساء ناقصات عقل ودين» ؛ وذلك لأن الحديث ورد في كتب الصحاح، ومن المعروف أن أئمة الحديث قد بذلوا من الطاقة والجهد في الإسناد؛ لتبيان الصحيح من الزائف, والضعيف من القوي, والتثبت من السنن بتعدد الرواية ما أهلهم بحق؛ لأن يسند إليهم علم النقد والتحقيق مما لا يتعين معه إنكار هذا الحديث أو الطعن فيه.
والحديث لا يتنافى مع القرآن - كما يقول - بل له شواهد من القرآن تؤيده, وهو قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) [1] .
فأثبتت هذه الآية أن شهادة المرأتين معادلة لشهادة الرجل جبرًا لما يشوبها من اختلال وضعف غير مقصود، وتذكر إحداهما الأخرى بحقيقة ما خفي عنها, وذلك بالأمور التي لا يتيسر لها حضورها غالبًا كالتجارة والعقود, فتكون شهادتها في هذه الأمور ناقصة، أما الأمور التي تختص بشئون النساء كالولادة والرضاعة وغير ذلك مما لا يطلع عليه الرجال, فإن شهادتها فيها تكون كاملة؛ ولأنها تقبل منفردة من غير مشاركة الرجل, وتنفذ شهادتها على الرجال والنساء في حين لا تقبل شهادة الرجل فيما يختص بالنساء، وأما من ناحية نقص الدين, فقد كتب الله الحيض على النساء, فنقصت عبادتهن، ولا يترتب على هذا النقص الذي يحصل به الإثم المفضي إلى المؤاخذة, والمستوجب للعذاب.
وأما من ناحية سياق الحديث, وهدفه, فإن المقصود به الوعظ, والتحذير, وحث النساء على الإنفاق, وجمع المال؛ لتأمين الدعوة، وهذا لا يعد تشريعًا عامًا؛ لأنه قد صدر من النبي - صلى الله عليه وسلم - بوصفه إمامًا لا مبلغًا.
يقول القرافي: إن جميع أموال بيت المال وصرفها في جهاتها يصدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بوصفه إمامًا لا على سبيل الفتوى والتبليغ.
فالحديث بسياقه, وهدفه إذا يعد تشريعًا عامًا, وبالتالي لا يكون ملزمًا, ولا يصلح دليلًا على منع المرأة من تولي الولايات العامة إلا ما استثني كالإمامة العظمى للنص الوارد فيها [2] .
ثالثًا: مناقشة دليل الإجماع:
إن أكثر دعاوي الإجماع لا جدوى منها, فلا سبيل إلى إثباته؛ لأنه يتغير بتغير الظروف فيما عدا ما هو معلوم من الدين بالضرورة كفرض الصلاة أو الصوم و الزكاة والحج ... ، ومن أين لنا أن ابن جرير, وابن القاسم, وابن حزم, والحنفية المجوزين تولية المرأة لقضاء غير مسبوقين بما ذهبوا إليه [3] ثم إن مجرد الخلاف بشأنه يجعل
(1) سورة البقرة: 282.
(2) محاضرات في الفقه المقارن ص 111.
(3) القضاء على الإسلام، الشيخ إبراهيم عبد الحميد ص 33.