فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 43

رأيها من التورط في معركة خاسرة، يهلك فيها الرجال، وتذهب الأموال، ولا يجنون من ورائها شيئًا، تلك هي بلقيس التي ذكر الله ـ تعالى ـ قصتها في سورة النمل مع نبي الله سلميان, وانتهى بها المطاف إلى أن قالت: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [1] .

وحكاية هذه القصة في القرآن الكريم ليس عبثًا، بل يدل على أن المرأة قد يكون لها من البصيرة، وحسن الرأي, والتدبير في شؤون السياسية والحكم ما يعجز عنه كثير من الرجال.

كما يؤكد صرف الحديث عن العموم: الواقع الذي نشهده، وهو أن كثيرًا من النساء قد كن لأوطانهن خيرًا من كثير من الرجال, وإن بعض هؤلاء النساء لهن أرجح في ميزان الكفاية, والمقدرة السياسية, والإدارة من كثير من حكام العرب والمسلمين الذكور [2] .

2 -إن علماء الأمة قد اتفقوا على منع المرأة من الولاية الكبرى أو الإمامة العظمى، وهي التي ورد في شأنها الحديث، ودلَّ عليها سبب وروده، كما دلَّ عليها لفظة «ولو أمرهم» , وفي رواية «تملكهم امرأة» , فهذا ينطبق على المرأة إذا أصبحت ملكة أو رئيسة دولة ذات إرادة نافذة في قومها، لا يرد لها حكم، ولا يبرم دونها أمر، وبذلك يكونون قد ولوها أمرهم حقيقة، أي: أن أمرهم قد أصبح بيدها, وتحت تصرفها, ورهن إشارتها، أما ما عدا الإمامية, والخلافة, وما في معناها من رئاسة الدولة, فهو مما اختلف فيه, فيمكن بهذا أن تكون وزيرة، ويمكن أن تكون قاضية، ويمكن أن تكون محتسبة احتسابًا عامًا.

3 -إن المجتمع المعاصر في ظل النظم الديمقراطية حيث يولي المرأة منصبًا عامًا كالوزارة أو الإدارة أو النيابة أو القضاء أو نحو ذلك، فلا يعني هذا أنه ولاها أمره بالفعل، وقلدها المسئولية عنه كاملة, فالواقع المشاهد أن المسئولية جماعية, والولاية مشتركة تقوم بأعبائها مجموعة من المؤسسات والأجهزة، والمرأة إنما تحمل جزء منها مع من يحملها [3] .

أما الاستدلال بحديث: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» على تولية المرأة القضاء, فقد ناقشه أحد العلماء المعاصرين بما يلي: قال: إن هذا الحديث يتنافى مع القرآن الكريم, ولا يتفق مع العقل, والحقائق التاريخية مما يدل أنه حديث موضوع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو صح هذا الحديث لما ترتبت عليه حرمان المرأة من تولي الولايات العامة فحسب بل كان الواجب فرض الحرج عليها، أو على الأقل عدم جواز تصرفها في أموالها إلا بإذن الحرج عليها، أو على الأقل عدم جواز تصرفها في أموالها إلا بإذن الزوج، ولكن قد اعترف الإسلام بأهلية المرأة كاملة, فأثبت لها حق التملك, وحق التصرف في أموالها بأنواعه المشروعة، فليست الأنوثة من أسباب الحجر في التشريع الإسلامي ... إلخ ما قال [4] .

(1) سورة النمل: 44.

(2) فتاوى معاصرة 2/ 381، 388.

(3) فتاوى معاصرة 2/ 388، 389.

(4) مبادئ نظام الحكم في الإسلام: د. عبد الحميد متولي ص 879، 883.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت