وقد ورى البخاري حديثين آخرين بشأن فارس، هما: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي, فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين, فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى, فلما قرأه مزقه, فدعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يمزقوا كل ممزق [1] .
والثاني: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وإذا هلك قيصر, فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفق كنوزهما في سبيل الله» [2] .
فالحديث هنا خاص بقوم فارس, ويدخل في إطار الأخبار, والبشارة لا في باب الحكم الشرعي [3] .
أجيب عن هذه المناقشة من وجهين:
الأول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما نص عليه الأصوليون.
الثاني: ما أجمع عليه الأصوليون من أن الحكم الواقع على العام في أي قضية واقع على كل فرد من أفراد هذا العام، فإذا قال شخص: جاء أولادي، كان هذا في قوة قضايا بعدد أولاده، كأنه قال: جاء فلان, وجاء فلان, وهكذا .... , وعلى ذلك يكون الحديث في قوة قضايا بعدد ولايات الدولة العامة، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لن يفلح قوم ولوا الخلافة امرأة» وهكذا .. إلى سائر الولايات العامة، أما كون المراد بالأمر جميع شؤون الدولة, وهي لا تكون إلا في منصب الإمامة، فهذا غفلة عما اتفقت عليه كلمة الأصوليين في دلالة العالم، وعلى ذلك لا يمكن حمل الحديث على الإمامة العظمى, وهي الخلافة فقط [4] .
رد هذا:
1 -صحيح أن أغلب الأصوليين قالوا: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن هذا غير مجمع عليه، وقد ورد عن ابن عباس, وابن عمر, وغيرهما ضرورة رعاية أسباب النزول، وإلا حدث التخبط في الفهم، ووقع سوء التفسير، كما تورط في ذلك الحرورية من الخوارج وأمثالهم، الذين أخذوا الآيات التي نزلت في المشركين, فعمموها على المؤمنين [5] , ومن هذا نستدل على أن سبب نزول الآية, ومن باب أولى سبب ورود الحديث يجب أن يرجع إليه في فهم النص؛ ولا يؤخذ عموم اللفظ قاعدة مسلمة يؤكد هذا في الحديث خاصة: أنه لو أخذ على عمومه لعارض ظاهر القرآن، فقد قص علينا القرآن قصة امرأة قادت قومها أفضل ما يتكون القيادة، وحكمتهم أعدل ما يكون الحكم، وتصرفت بحكمة, ورشد أحسن ما يكون التصرف، ونجوا بحسن
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى كسرى وقيصر 7/ 732 حديث رقم 4424.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي - صلى الله عليه وسلم- 1/ ص 531 حديث رقم 6639.
(3) المرأة والعمل السياسي: هبة رءوف ص 134.
(4) نظام القضاء في الإسلام: المرصفاوي - ص 30.
(5) للشاطبي بحث مفيد في ذلك في كلامه عن القرآن في الموافقات.