رد هذا: إن العلاقة بين الرجال والنساء في الأمور العامة هي علاقة ولاية، وأن ذكر الدرجة, والقوامة في القرآن لم يأت إلا في سياق الحديث عن الحياة الزوجية التي يلزم فيها تحمل طرف واحد للأمر قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [1] وقال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [2] مع ملاحظة أن صرفه عن النساء في الأسرة ليس دليلًا على أهلية أو عجز بل هو تقديم للأصلح، فإن غاب تتولى أمور بيتها [3] .
ثانيًا: مناقشة دليل السنة:
أما الاستدلال بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم-: «لن يفلح قوم ولُّوا أمرهم امرأة» على عدم جواز تولية المرأة القضاء, فهذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن الحديث خارج عن محل النزاع؛ إذ إنه وارد في رئاسة الدولة, فيكون النهي المستفاد منه قاصر على رئاسة الدولة, ولا يشمل ولاية القضاء [4] , ويؤيد ذلك ما يلي:
1 -إن سبب ورود هذا الحديث قد جاء بصدد تمليك بنت كسرى على عرش الفرس بعد موت أبيها [5] .
2 -إن الأمر الشامل لمجموع الأمة, وجميع شئونها المعبر عنه في الحديث بكلمة"أمرهم"إنما هو منصب الإمام الأعظم, فأفاد الحديث أنه لا يجوز أن يكون على رأس الجماعة الإسلامية امرأة، واحتمال أن المراد هنا الإمامة العظمى قائم، والصارف إليه الاتفاق على جواز صحة إسناد الولايات الخاصة إلى المرأة كالوصاية على اليتيم, ونظارة مال الوقف؛ إذ هي لم تستند إليها إلا لقدرتها عليها؛ لهذا هو مناط الحكم, فالذي يلحظ أهلية المرأة, وصلاحيتها للولايات الخاصة, ويفهم مناطها لا يسعه إلا تعميمها في سائر الولايات العامة؛ إذ لا تأثير لعموم الولايات وخصوصها بعد تحقيق القدرة على ممارستها, فيدور الحكم من هذه القدرة وجودًا وعدمًا دون نظر إلى عموم الولاية أو خصوصها باستثناء الإمامة العظمى، فلولا الإجماع المنعقد على امتناعها في حق المرأة, والنص الوارد في ذلك لسلكت نفس المسلك دون فرق ما [6] .
3 -إنه لابد أن يفهم في ضوء الأحاديث الواردة في السنة عن فارس وكسرى؛ حيث إنه ورد في سياق حادثة معينة هي أن فارسًا ملكوا عليهم ابنة كسرى، ويذكر ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري أن الحديث تتمة لقصة كسرى الذي مزق كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلط عليه ابنه فقلته، ثم قتل أخوته، فلما مات مسمومًا انتهى الأمر بتأمير بنته بوران بنت شيرويه بن كسرى، فذهب ملكم, ومزقوا كما دعا عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - [7] .
(1) سورة البقرة: 228.
(2) سورة النساء: 34.
(3) عن المرأة - طارق البشري ص 269، الدستور القرآني في شئون الحياة: محمد عزة دروزة ص: 72، 74.
(4) المحلى: لابن حزم 9 ص 429، الإسلام والمرأة المعاصرة: البهي الخولي ص: 246، تحرير المرأة في عصر الرسالة: عبد الحليم أبو شفة 2/ 449، 450.
(5) نظام القضاء في الإسلام: ص: 30.
(6) القضاء في الإسلام: الشيخ إبراهيم عبد الحميد ص: 31، 33.
(7) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7/ 735.