القول الثالث:
وهو مذهب الحنفية عدا زفر ... فإنهم يجوزون للمرأة تولي القضاء, فيما تصح فيه شهادتها, وهو ما عدا الحدود والقصاص, وإن أثم موليها عند بعضهم [1] , ومن غير إثم موليها عند معظمهم [2] , فإذا تولت وحكمت صح حكمها, ونفذ ما دام موافقا للشرع سواء عند القائلين بالإثم, أم عند القائلين بعدمه.
سبب الخلاف:
يرجع الخلاف في هذا المسألة إلى أمور منها:
أ الأدلة الواردة في هذه المسألة أدلة ظنية، يتطرق إليها الاحتمال، وتتسع للرأي والرأي الآخر.
ب الاختلاف في النظر والتكييف، بمعنى هل أهلية القضاء متحققة لدى المرأة كما هي متوفرة لدى الرجل، وهو ما يسمى عند الأصوليين بتحقيق المناط.
ت الاختلاف في القياس، بمعنى هل يقاس القضاء على رئاسة الدولة، أم يقاس على الشهادة، فمن قاس على رئاسة الدولة، قال: بعدم الجواز، ومن قاس على الشهادة قال بالجواز؛ لأنه باتفاق العلماء لا يجوز أن تكون المرأة رئيسة للدولة، ويجوز أن تكون شاهدة في المنازعات والخصومات [3] .
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول على منع المرأة القضاء مطلقًا فيما تشهد فيه ومالا تشهد فيه (بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول) .
أولا: دليل الكتاب:
قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [4] .
وجه الدلالة:
هذه الآية الكريمة تفيد حصر القوامة في الرجال؛ لأن المبتدأ المعرف بلام الجنس منحصر في خبره بمقتضى قواعد اللغة العربية إلا أنه هنا حصر إضافي, أي: بالنسبة للنساء، فمعناه: القوامة للرجال على النساء لا العكس، وبعبارة أخرى: القوامة لهم لا عليهم, وهذا يستلزم أن لا يجوز, ولا تصح ولاية المرأة للقضاء، وإلا كانت القوامة للنساء على الرجل، وهو عكس ما أفادت الآية [5] .
(1) حاشية ابن عابدين 4/ 552، مجمع الأنهر في شرح ملتقي الأبحر 2/ 168.
(2) تبيين الحقائق للزيلعي 4/ 187، شرح فتح القدير لابن الهمام 7/ 287، بدائع الصنائع للكسائي 7/ 3.
(3) دراسات في الفقه المقارن ص 115، نظام القضاء في الإسلام للمرصفاوي ص 24، 25.
(4) سورة النساء: 34.
(5) الأحكام السلطانية للماودري ص: 65، نظام القضاء ووسائله في الشريعة الإسلامية - جمال صادق المرصفاوي ص: 27، 28، القضاء ووسائله في الشريعة الإسلامية د/ فتحي عبد العزيز ص: 25.