لما كان القضاء من فروض الكفاية وأن الأصل العام في طلب تولية المنع ثم بينا مراتب الطلب من جهة التحريم وعدمه. ولكن ماحكم قبول منصب القضاء بالنسبة للمسلم الذي عرض عليه هذا المنصب؟
والجواب إن حكم القبول هذا يختلف باختلاف حال المسلم والظروف المحيطة به وما يتعلق بقبوله وما يترتب عليه من مصلحة او مفسدة على النحو التالي:
أولًا الوجوب: وهذا بالنسبة لمن يتعين عليه القيام بالقضاء وتولي منصبه نظرًا لعدم وجود من يصلح للقضاء غيره مع العلم واليقين أن باستطاعته مزاولة القضاء والقيام به بدون أن تدخل قوة للتأثير عليه فإذا امتنع عن قبوله أثم إثم تارك واجب.
ثانيًا الندب: وهذا بالنسبة لمن يترتب على قبوله منصب القضاء تحقيق مصلحة عامة ونفع عام للمسلمين لكونه اقدر على مسؤوليات القضاء من غيره واثبت من غيره على متطلباته واصلح له من غيره علمًا وورعًا. وأرى أن الندب هنا يتأكد بل يصل إلى ما يقرب من درجة الوجوب، لأن الشريعة الإسلامية هنا تحرص على تحقق النفع العام.
ثالثًا الحرمه: وهذا بالنسبة لمن علم من نفسه العجز عنه أو عدم الإنصاف فيه بالرغم من معرفته بالقضاء، لما يعلم من نفسه الضعف الذي يؤدي إلى اتباع الهوى أو مداهنة السلطات أو عدم القدرة على مقاومته.
رابعًا الكراهة: وهذا بالنسبة لمن كان صالحًا للقضاء ولكن هناك من هو اصلح منه له. ويمكن تولية هذا الاصلح إذا هو لم يقبل ولاية القضاء.
خامسًا الإباحة: إذا كان هو وغيره سواء في الصلاحية للقضاء ولا يوجد في واحد منهم ما يرجح قبوله، ولقد دخل في القضاء قوم صالحون وترك الدخول فيه قوم صالحون ايضًا.
الفصل الثاني
المرأة والقضاء وفيه مباحث
المبحث الأول: العلاقة بين القضاء والشهادة عند الحنفية
جاء في الهداية (ولاتصح ولاية قضاء حتى يجتمع في المولى شرائط الشهادة ويكون من أهل الاجتهاد) ثم يبين المراد من هذا بقوله (فلان حكم القضاء يستقي من حكم الشهادة لان كل واحد منهما من باب الولاية) ، فكل من كان أهلا للشهادة يكون أهلا للقضاء وما يشترط لأهلية الشهادة يشترط لأهلية القضاء، والفاسق أهل للقضاء حتى لو قلد يصح إلا أنه لا ينبغي أن يقلد كما في حق الشهادة فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادته ولو قبل جاز عندنا، خلافًا للشافعي رضي الله عنه من عدم قبوله تولية الفاسق القضاء وكذلك عدم قبول شهادته (35) [35] وقال الكمال بن الهمام: وقد مر وجه جواز قضائها (يعني) في الشهادات وهو أن القضاء من باب الولاية كالشهادة والمرأة من أهل الشهادة فتكون من أهل الولاية (36) [36] .
المبحث الثاني: اختيار القاضي وفيه مطالب
إن حسن إدارة العدالة وأداء القضاء لوظيفته، يتوقف دون شك على حسن اختيار القضاة، الذين يتولون القضاء. إذ أن أداء وظيفة القضاء أداءًا حسنًا يتوقف على نزاهة القضاة الذين يجب إبعادهم عن كل المؤثرات فإن تحققت هذه النزاهة كانت أحكام القضاء موضعًا للثقة والاحترام والنزاهة فضيلة خلقية تتحلى بها النفوس الصالحة عند وزنها للمصالح المتعارضة وليس أحوج من القضاء إلى النزاهة وهو ميزان العدالة القانونية في الحياة الاجتماعية، ويتوقف تحقق هذه النزاهة على حسن اختيار القضاة وتحري الخلق فيهم، وصونهم من التدخل في شؤونهم وغير ذلك. ولذلك فإن اختيار القضاة كان وما يزال من المسائل التي يختلف بشأنه الفقهاء والمفسرون، في محاولة للوصول إلى نظام افضل لاختيار القضاة ويدور هذا الاختلاف حول نظامين الأول الانتخاب والثاني نظام التعيين ونستعرض في عجالة بين النظامين لننتهي إلى النظام الذي اعتنقه المسلمون الأوائل وبينه الفقهاء في كتبهم.
المطلب الأول: